المسيحية بين المادية والمثالية....اســـــــــــــــحق قومي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المسيحية بين المادية والمثالية....اســـــــــــــــحق قومي

مُساهمة من طرف اسحق قومي في الأحد يناير 10, 2010 11:49 am





8

المسيحية بين المادية والمثالية

اسحق قومي


منذ ألفي عام جاءت المسيحية.بأروع وأرفع القيم الروحية والتعاليم الفكرية،والقائمة على التسامح والمحبة،لأنَّ في ذلك يصل الإنسان إلى أرفع مستويات آدميتهِ،وليس العكس كما يظن بعضنا،والمسيحية مشروع فلسفي يتضمن المذهبين الروحي والمادي،وليس هناك من تناقض بينهما أو يستمر الواحد على حساب الآخر،وهي فعل خُلقي مستمر، ونشاط وسلوك عملي مسبوق بالجانب النظري الذي لم يرفض التعاليم التي سبقتهُ بل جاء متوجاً لها.والمسيحية استعداد دائم للتواصل والحوار مع الآخر،وهي تحتاج إلى متمرس في القتال ضدّ النفس ومن هم أشرار ولكن بطريقة غير معلنةٍ صراحةً،وهي حكمةٌ(كونوا حكماء كالحيات،وودعاء كالحمام، إنها دعوة ديالكتيكية قبل أن يوجد الديالكتيك،وهي فعلٌ مستمر،اسألوا تعطوا،اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتحُ لكم، وهي تحذير من الذئاب الخاطفة،والأنبياء الكذبة الذين يأتون كالحملان،ثمَّ لا تعطوا القدس للكلاب،(لا ترموا درركمْ أمام الخنازير.لئلا تدوسها بأرجلها ثمَّ تلتفت إليكم وتمزقكمْ).لأنَّ الافتراض السليم يقول: ليس جميع البشر في سويةٍ سلوكيةٍ واحدة،وغير ذلك من المشاريع الهامة التي تتضمنها المسيحية.ولكن منذ أن تعرفنا إلى فكرنا المسيحي.علمونا أن المسيحية تلك الأفكار الطوباوية، المثالية التي لا تجد اليوم مكاناً لها بين الأفكار المادية والفلسفية الاقتصادية، وكنا نظن أنَّ الأمر بهذا الشكل هو الواقع على اعتبار أنهم كانوا يرددون أمامنا قول للسيد المسيح من ضربك على خدكَ الأيسر فحول له خدك الأيمن، ولكنهم لم يكن هناك من شرحٍ دقيق وسليم لهذا القول الرائع،ولم يكن باستطاعة هؤلاء المعلمين أن يخرجوا من أفكارٍ هي قاصرة عن معرفة مكنونات الفلسفة المسيحية.لا بل أن الفكر الفلسفي للمسيحية يفوق تلك الشروحات المبتورة وغير السليمة حيث كانوا قد استخدموا هذا التعبير عن الخنوع للشخصية المسيحية وتهميش دورها الريادي والحزبي، لا بل سحق لشخصيتنا القومية،وهويتنا التي ضاعت منذ زمن.أجل إنَّ أغلب أقوال الرب يسوع المسيح يراها القارىء العادي وكأنها فعلاً مثالية.وبتعبيرٍ أخر علمونا على أنها مثالية.وكانت تفاسيرهم تنطلق دوماً من نقطة مركزية في الحياة المسيحية التي كانت ولا تزال في الدول التي لا يوجد للمسيحيين من مكانةٍ سياسية، اللهم عدا تلك الدول التي تدعي ولكن الحقيقة غير ذلك.ومن هنا فإن جميع التفاسير لأقوال السيد يسوع المسيح، كانت تجيّر على أساس أنها طوباوية ،ولكن لو قرأناها قراءة بعيدة عن أي ضغطٍ سياسي أو حتى مذهبي لوجدناها واقعية ومادية أولاً وتدعوا إلى السماويات لأنها فعلاً جاءت من أجل الخلاص، ولكنها لم تكن تُعنى فقط بهذا الجانب.وإلاَّ لماذا يقول الرب يسوع(أعطوا مال قيصر لقيصر مال الله لله).ولماذا قال:جميع أمثاله.فإنه تناول الإنسان الأرضي ليرفعه إلى الإنسان السماوي( الأصحاء ليسوا بحاجة إلى طبيب).وقال ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان،بل بكل كلمة تخرج من فم الله…وهنا نجد الربط الجدلي بين الخبز والكلمة.بين الجانب النظري والجانب العملي، بين الدنيويات(حاجة الجسد).وبين الحاجات السماوية(الحياة الأخرى).وبهذا أراد الربط بين الإيمان والعمل،فالمادة(الخبز) لا تصبح ذات فعالية إذا كانت لوحدها،وهذا ما يؤكده الفيلسوف الألماني هيجل.حين يتحدث على أنَّ الواقع المادي لا يصبح موضوعاً ما لم يدخل حيز المعرفة،ولا توجد ذات بدون موضوع،ولا موضوع بدون ذات، فالسيد المسيح لم يعلمنا تعاليم غير قابلة للتطبيق، وليست مثالية أبداً…فمعادلة الخبز والكلمة.نرى أن المادة الخبز تسبق الكلمة رغم قدسية الكلمة لأنها كلمة الله،فالخبز معادلة تحتوي في داخلها قيم ومفاهيم عديدة،والكلمة معادلة تحتوي أيضاً على قيم وأفكار عديدة،ولمن يريد أن يحيا هنا وهناك عليه أن تتوفر ،لا بل يوفر هاتين المعادلتين .فلا يمكن أن تحيا دون الخبز هذا أقل ما يمكن في هذا العالم،وكذلك حتى تنال الخلاص لابدَّ من كلمة الله…لأنها ضرورة لتلك الحياة.ونرى أن الربط أو العلاقة بين هاتين المعادلتين ،علاقة عضويةً، لأنَّ النفس والروح لا توجدان بدون الجسد(المادة).حتى الله سبحانه وتعالى كي يُظهر نفسه للبشرية كان لابدَّ من التجسد(عظيمٌ هو سر التقوى.الله ظهر بالجسد…)…وربَّ قائل يقول: السيد المسيح قال: أنَّ مملكتي ليست من هذا العالم…وقال: اطلبوا أولاً ملكوت السموات وهذا كله يُزاد لكم… أما عن القول الأول: يجب أن نُرجع القول ونورده في سياقه ومضمونهُ.ولماذا قيلْ؟ تلك حالة كان الرب بين أيدي الحكام الرومان،وبين صراخ اليهود الذين كانوا يقولون(اصلبهُ …اصلبهُ).فكان الحاكم الروماني يريد أن يُمسك عليه أي ممسك،ولأنهُ فعلاً هو روح الحق.وبالفعل ليؤكد لهم أنَّ ذاتهُ وجوهره سماوي من نوع يختلف حتى عن أغلب الكائنات السماويات(مثل الملائكة)لكن ليس معنى ذلك أن تعاليمه فقط تتناول الجانب الروحي دون الاهتمام بالجانب المادي الجسدي .العالمي،خذ ببساطة هذا القول:كي يفتدينا الله كان لابدَّ أن يجسد كلمته بواسطة روحه القدوس، في أحشاء العذراء مريم،ويولد كأي طفل (لكن ليس من مشيئة رجل).كأي طفل أي أنه بقيَّ تسعة أشهر جنيناً،وولد وعاش طفولته وشبابه، أكل وشرب، وجاع، وعطش، وهو يعلم قبل أن يُعاني أهمية الجوع والعطش، وقيمة الخبز والمادة التي تدخل في عناصر الأكل وحتى اللباس والسكن والعزة والكرامة ،فكيف يُعلم تعليماً يبتعد عن ما عاناه في حياته؟ أما القول: الثاني: فهو أمام يهودٍ لم يكن همهم إلاَّ الأرض وملذات الحياة الدُّنيا،ولاهمّ لهم غير المال وعبادته ،وقد تركوا حتى الناموس وركضوا وراء العالم بكليتهم.فأراد أن يؤكد لهم أن كل ما في العالم سيُزاد لو هم طلبوا أولاً الملكوت…أجل أراد أن يلفت انتباههم إلى أهمية أن نفكر بالحياة الأخرى(الأبدية)…رغم أن الإنسان سيمضي زمناً في هذه الحياة.وكي يوازن بين الطبيعة البشرية الكاملة،والطبيعة الإلهية.ويحقق ما جاء من أجله إلى الأرض وهو خلاص الإنسان، والخلاص لا يأتي بعد الموت، أو خارج حدود هذه الحياة الأرضية.كان لابدَّ أن يقول: أنهُ ليس كل ما في هذا العالم فقط مهم بل الأهم هو معرفة الطريق إلى الحياة الأبدية،وبهذا أراد أن يؤكد العلاقة بين الروح من جهة والنفس والجسد من جهةٍ ثانية،وبين ما ستئول إليه نتائج أعمال الجسد في نهاية الإنسان.ورغم أن موضوع تجسده ،لم يكن هناك أسبقية للمادة عن الروح(روح الله).وهنا نؤكد على أنه روح الله وليس روح من الله(أرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً).هذا ما جاء في القرآن،سورة مريم: الآية رقم 16،(وإليك الآية كاملةً( فاتخذت منْ دونهم حجاباً فأرسلنا إليها رُوحَنا فتمثل لها بشراً سويَّاً).وهناك العديد من الأمثلة والحقائق التي تؤكد على أن الرب يسوع كان يستخدم المادة في آياته(العجائبيه).الخبز والسمك، الطين والبصاق من أجل الأعمى، حتى الصلاة فالكلام حالة فيزيائية،والصوت، والنظر مجموعة من الحزم المادية تتخلل عبر الضوء الذي هو مادة،وقدم الملك الدنيوي على الملك الإلهي(أعطوا مال قيصر…) عندما كانوا يمتحنوه،هدم الهيكل(الجسد).ومثال الشجرة(كل شجرة لا تثمر ثمراً جيداً تُقطع وتُلقى في النار).وغير ذلك هناك العديد من المحطات التي تبين أن المسيحية ليست في تعاليمها طوباوية(مثالية).وإنما يلزمنا أن نقرأ المسيحية قراءة جديدة توضح تلك الجوانب التي هي الأهم.فالمسيحية ليست ذل بل قوة.وعزة وكرامة،وهي قابلة للتطبيق وأن تكون قانوناً دنيوياً وسماوياً لكل زمانٍ ومكان إذا احسنا استخدامها .خذ مثال حين يقول: كل ما تحلوه على الأرض يكون محلولاً في السماء، وكل ما تربطوه على الأرض يكون مربوطاً في السماء.هذا التفويض الذي نقرأُ فيه أكبر إثباتٍ على أن المسيحية لم تُقرأْ حتى الآن قراءة علمية سليمة،كي تناسب كل زمانٍ ومكانْ فمن هم خلفاءه على الأرض لديهم دستورهم العظيم في معالجة كل المشاكل وفي مختلف الظروف،وعليهم تتوقف أن يكونوا حجر عثرة أو أن يكونوا معاونين المؤمنين على مشاكل هذه الحياة.ويلٌ للرعاة الذين يبددون غنم رعيتي يقول: الربْ.
في الختام نقول: يلزمنا أن نقرأ التعاليم التي جاءت في المسيحية قراءة جديدة وعلمية وعملية وواقعية وموضوعية، لا نفسرها أو نبقى على من فسروها لنا تحت ضغوط العبودية السياسية.وسلام الرب مع جميعكمْ.
*** الحسكة.سوريا:5/4/1983م.
اسحق قومي

_________________
إسحق قومي
شاعر وأديب سوري مقيم في ألمانيا
Ishak.alkomi@ok.de

avatar
اسحق قومي
المدير العام
المدير العام

ذكر
عدد الرسائل : 834
العمر : 68
الموقع : http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum
العمل/الترفيه : معاقرة الشعر والأدب والتاريخ والإعلام والسياسة
المزاج : حسب الحالة
تاريخ التسجيل : 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى