الموسيقا السريانية.نقلاً عن المنتدى السماعي للأدب والطرب الأصيل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الموسيقا السريانية.نقلاً عن المنتدى السماعي للأدب والطرب الأصيل

مُساهمة من طرف اسحق قومي في الأحد مارس 07, 2010 11:09 am

الموسيقىالسريانية

بداية خطر لنا فكرة كتابة موضوع عن الموسيقى. على الرغم من أن الموضوع أدرج في برنامج (قلن موزيك، كالان موزيك) للإذاعة. لكن التحضيرات لم تصل نهايتها. لهذا فإن الموضوع لم يصل للقراء أو المستمعين على حدٍ سواء. لكننا أعدنا الكرة، وها نحن منذ سنة وأكثر انشغلنا ثانيةً بالإعداد لهذا الموضوع الذي يتطلب عملاً وجهداَ لأنه إضافة إلى الكتيب الذي بين أيديكم أعددنا قرصين (CD ).
هذا الكتيب يتكون من جزأين:
1 ـ تاريخ السريان.
2 ـ ثقافة السريان.
في الجزء الأول حاولنا بقدر ما أمكن تقديم معلومات موجزة حول التاريخ السرياني للقارئ أو المستمع الغريب عن هذا التراث. وذلك نظراً لصعوبة الإحاطة بكل التاريخ السرياني الذي يعود لآلاف السنين. وفي هذه العجالة توقفنا خاصةً أمام الهوية السريانية في العصر المسيحي، وكتبنا موضوعاً مختصراً من أجل القارئ والسامع لنعرفه بشكل سريع على الثقافة السريانية وبدون شك فإن هذه المعلومات لا تكفي كل من يريد التوسع في الإطلاع على التاريخ السرياني، ويستطيع أن يجد حاجته في المراجع التي عرضناها.
في القسم الثاني استحوذت على اهتمامنا أمور منها: تأثير المسيحية ـ عناصر الثقافة السريانية التي تطور بعد المسيحية ـ الثقافة السريانية المعاصرة وفي هذا القسم أفردنا مكاناً للعناصر التي اتكأت عليها الثقافة، وكذلك اللغة والأدب والموسيقا، حيث درست بشكل أكثر تفصيلاً. أما الجوانب الأخرى فقد مررنا عليها سريعاً لأنه من الصعوبة بمكان التحدث عن خصائص الثقافة واللغة السريانية في الصفحات المحدودة لهذا الكتيب الذي سميناه (الموسيقا السريانية).. الألحان التي اخترناها لموضوعنا، جُمعَت من مكاتب خاصة تعود لأفراد عديدين ناهيك عن تلك المواد التي جمعناها نحن.
السريان الذين توزعوا في أرجاء المعمورة تأثروا في الكثير من الأحيان بالبيئة التي عاشوا فيها. لكن الليتورجيا لم تتغير موسيقاها كثيراً وحافظت على الأصوات والألحان. بينما نجد أن التغيير الذي اعترى طبيعة الألحان والموسيقا لا سيما لدى سريان الهند وإيران ولبنان وألمانيا والهند والبرازيل وغيرها. فنجد بينها اختلافات طفيفة تبعاً للمكان. لهذا نجد صعوبة بالغة في إبراز هوية الموسيقى لدى السريان المنقسمين بين كنائس كثيرة /كالكلدان والنساطرة، موارنة، إنجيليين، كاثوليك.. إلخ/ وهذا بدوره ولّد انقساماً دينيا، اجتماعياً، ثقافياً.
من هنا كي لا نشوش على السامع والقارئ اخترنا نماذج مبسطة ألفتها الأذن، ولا يصعب فهمها. نماذجنا هذه على الغالب مأخوذة من كنائس طور عبدين. وفي القرص الذي يتضمن التراتيل الدينية لم نعرض جميع التراتيل التي تقدم في القداس، ورأينا أنه من الأفضل تسجيل بعض التراتيل التي ترتل في أيام ومناسبات مختلفة وبألحان مختلفة من قبل الكورس (الجوقة) أو من قبل مرتل فرد.
وفي القرص الثاني أيضاً اخترنا نماذج مغناة باللهجتين الشرقية والغربية لمغنين ومغنيات قدموا أغانيهم بنغمات ومقامات متعددة، أغانٍ يردد بعضها كورس، وأخرى يؤديها أفراد. وذلك لكي يتم تقبلها أكثر لا سيما من قبل أولئك الذين لا ينتمون لهذا التراث.
بالتأكيد لا يسعنا تقديم نماذج من كل الموسيقا السريانية بهذين القرصين وهذا لا يكفي وحده للراغبين بالإطلاع بشكل أوسع على الموسيقا السريانية وسماع صوت حضارة السريان.
نعتقد أن هناك بعض الأخطاء غير المقصودة وردت في سياق هذا الكتيب نأمل من القارئ أن يتقبلها برحابة صدر، لأنها تجربتنا الأولى في هذا المجال كما لا يسعنا سوى تقديم الشكر لكل من ساهم وشجع على طبع هذا الكتيب وأولئك الذين قدموا لنا يد المساعدة والعون.
1ـ الثقافة السريانية:
أ ـ تكون عناصر الثقافة: من المعروف أن السريان امتلكوا ثقافة غنية، تلاقحت بعض عناصرها مع ثقافة الشعوب التي عاشوا معهم في نفس المنطقة. وكذلك استمدت الكثير من عناصر غناها من المسيحية التي تشكل مع اللغة من أبرز العناصر المشتركة للثقافة السريانية بشقيها الشرقي والغربي. وبلا شك فإن خزائن هذه الثقافة تحتوي على أشياء ومفاهيم كثيرة من الأزمنة التي سبقت المسيحية، حيث حدث نوع من التوحد والتماهي بين المسيحية المشرقية وثقافة الرافدين، كما تم استيعاب وتمثل الثقافة اليونانية، وبهذا استطاع السريان أن يطوروا ويرفعوا من سوية الثقافة وينقلوها بالتالي إلى أواسط آسيا. لكن في عالم المعرفة وكذلك في الحياة اليومية نج أن المسيحية تحظى بمكانة وأهمية خاصة في مفردات الحياة اليومية للسريان، وتشكل عنصراً أكثر وضوحاً من بقية العناصر. فعلى سبيل المثال فإن سريان ماردين ومحيطها يعرفون أكثر بهويتهم الدينية وليس القومية. هكذا تكونت وتكاملت الثقافة السريانية استنادا لهذا العناصر.
ب ـ اللغــة: اللغة السريانية هي واحدة من اللغات التي تنتمي للجذر الآرامي الذي يعد من اللغات السامية. وعلى المدى الطويل فإن اللغة السريانية التي كان يتكلم بها أهل الرها تفرعت للهجات متعددة. وفي القرن الثاني الميلادي أضحت اللغة السريانية لغة الكنيسة في القداديس المقامة في الرها، واللغة الثانية بعد اليونانية في الإمبراطورية البيزنطية. ومن خلال المبشرين السريان انتقلت لغتهم حتى الصين.
الأبحاث الأخيرة تشير (سواء من جانب المتحدث سواء سمي سريانياً أو آشورياً) إلى الآرامية الجديدة التي تنقسم لهجاتها إلى: الآشورية، الطورانية، السورث. والتمايز بين هذه اللهجات أضحى أكثر وضوحاً بعد القرن الخامس الميلادي لا سيما مع تداخل عوامل الانقسامات والانشقاقات بين السريان.
السريان المشارقة يسمون لهجتهم التي يتحدثون بها (لهجة شرقية). والمغاربة (لهجة غربية) وتملك اللغة السريانية نوعان من الخطوط (الاسطرنجيلي والسرطو). وعبر اتباع ماني انتقلت اللغة السريانية إلى توركيستان على مشارف الصين. وحتى اليوم نجد بأن المغول (سكان منغوليا) يستعملون أحرف نحتت من الألفباء السريانية.
اللهجة الطورية (لهجة طور عبدين) لهجة بسيطة وسهلة على المتحدث، ومعظم السريان القاطنين شمال شرق أنطاليا يتحدثون هذه اللهجة والتي تأثرت بلغات أخرى كالتركية والعربية والكردية، وتحوي الكثير من مفردات تلك اللغات.
ج ـ الأدب: عُرف الأدب السرياني بدايةً من خلال حركة الترجمة من اللغة اليونانية إلى اللغة السريانية. لكن في أيامنا الحالية نحن محرومون منها. كذلك فإن السريان أضاعوا بأيديهم كل تراثهم الأدبي الذي يعود إلى زمن ما قبل المسيحية لأسباب مختلفة، ولم يصل إلينا سوى أجزاء متفرقة من بعض المخطوطات تتناول مواضيع شتى حفظت من خلال ترجمتها إلى اللغة السريانية من اليونانية. هذه الثقافة اكتسبت أهمية إضافية في ذاك الوقت لأنها شكلت جسراً حضارياً انتقلت من خلاله المعرفة والفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي وبالعكس. وهكذا انتشرت السريانية بشكل كبير ووصلت في أحد الأزمنة حتى الهند والصين. الصراعات اللاهوتية التي اندلعت في القرن الخامس الميلادي داخل الدولة البيزنطية قسمت الشعب السرياني نهائياً إلى مشارقة ومغاربة. المشارقة بدورهم تأثروا أكثر بقوة الإسلام خاصةً في زمن الخلافة العباسية. ومع مرور الزمن انتشرت اللغة العربية بين الأدباء والعلماء السريان.
العلماء السريان في نتاجاتهم المكتوبة سواء بالعربية أو السريانية طغى عليها طابع الاهتمام بالقضايا الدينية. إضافة إلى هذا فقد تناولت موضوعاتهم (التاريخ، الشعر، الفلسفة، الفلك). الكتب التي اهتمت بالأصوات تعتبر من أهم الموضوعات التي تناولوها، ومن أبرز من كتب هذا في هذا المجال برديصان الذي كتب أيضاً في مجال التاريخ والفلسفة والفلك، لكن لم يصلنا من نتاجه سوى النزر اليسير.
نظم الشعر إضافة إلى برديصان اهتم به بشكل خاص آباء الكنيسة ووضعوا له قواعد وأوزان وبحور تختلف عن البحور العربية التي تعتمد على تفعيلة مطولة، بينما تعتمد البحور السريانية على عدد الحركات.
والتراكيب الشعرية السريانية تنقسم إلى خمسة بحور تبدأ من ثلاثة أوزان وتنتهي بسبعة ضمن البيت الواحد في القصيدة الواحدة. ويعتبر مار أفرام (القرن الرابع) ومار بالاي (بين القرن الخامس والسادس) وار يعقوب السروجي من أمهر شعراء السريانية على مرّ العصور. إذ أن كل واحد منهم يجسد حقيقة المستوى الذي بلغه الأدب السرياني ويعبر عنها أصدق تعبير، لهذا أفردت لهم مكانة مميزة في سجل الثقافة والأدب. فمار أفرام كتب قصائده ومداريشه على الوزن السابع، وما بالاي بنى قصائده على الوزن الخامس، فيما نظم مار يعقوب السروجي قصائده على اثني عشر وزناً وهي مضاعفة للوزن السادس.
الشعراء السريان لم يتطرقوا فقط لقضية الإيمان وحدها، وإنما أكسبوها طابعاً تعليمياً. ومع الأدب السرياني الكنسي يملك السريان أدباً شعبياً غنياً يتجلى من خلال الأغاني والحزازير، والأمثال والأساطير، والقصص التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي بعد.
انشغل الكثير من الكتاب السريان بكتابة التاريخ لا سيما أولئك العاملين في صفوف الكنيسة. لكن ايضاً هناك الكثير ممن اهتم بالفلك والرياضيات والبلاغة من أمثال مار يشوع ديونيسيوس التلمحري وميخائيل الكبير.
د ـ الموسيقا السريانية: الموسيقا السريانية تعتبر جزءاً اساياً من ثقافة بلاد الرافدين والشرق الأوسط. وبهذا المعنى يمكن إبراز أهميتها في هذه الثقافة، وهذا يدفع إلى التساؤل حول حجم التأثيرات الثقافية السريانية في إقليم الشرق الأوسط؟. قد لا نعثر على جواب شافٍ تماماً عندما نتناول القضية من ناحية الثقافة الموسيقية أو علم الأصوات، إذ سيصادفنا خليط ضخم ومتعدد من الثقافات الموسيقية، لأن الشرق الأوسط عاشت فيه أمم وديانات مختلفة، لهذا من الطبيعي أن يحدث تأثر وتأثر متبادل في عادات الرقص والأكل والصناعات اليدوية والموسيقى، ويعتبر هذا سبباً رئيسياً للخلط الذي نجده في في الموسيقى السريانية، من هنا فإنه من الصعوبة بمكان توصيف بناء ثقافي خالص، والصعوبة تبدو أكبر في تحديد بناء موسيقي سرياني خالص. فالتأثير المتبادل بين ثقافات الشعوب يظهر بوضوح أكبر في العادات والتقاليد الموسيقية، من هنا اعتبارنا للموسيقى السريانية كجزء من موسيقى الشعوب الشرق أوسطية.
للأسف لا يمكننا اليوم معرفة العادات الموسيقية ولا المنظومة الموسيقية للآشوريين الذي عاشوا قبل المسيح. لكن وصل إلينا القليل من المعرفة الميثولوجية التي تعود لآلاف السنين، وكذلك تعرفنا على بعض الآلات الموسيقية. يقال أن الملوك الآشوريين كانوا يقيمون احتفالات ضخمة أشبه بالكرنفالات حيث كان الناس يرتدون ألبسة خاصة بهذه المناسبات ويرقصون على أنغام الموسيقى. ويقال أيضاً أن آلاف الألواح المكتوبة بالخط المسماري كانت عبارة عن مقطوعات موسيقية لكنها ضاعت أو أصابها التلف. الحفريات التي جرت في المنطقة كشفت عن بعض الآلات كالناي المصنوع من أنابيب وهارب مصنوع من ريش بعض أنواع الطيور.
مع أن معرفتنا محدودة بالفترة التي سبقت المسيحية. بيد أنه ليس هناك معرفة كاملة في متناول أيدينا حول الموسيقا السريانية في بدايات المسيحية بسبب عدم تدوين الموسيقى. لأن الموسيقى لدى السريان كانت تنتقل شفهياً من جيل لآخر عبر الكتب المقدسة. الصوت والأنغام والأشعار. هذه العادة في التقليد السرياني كان يحدث على الموسيقا تغييرات كثيرة ويعطيها كل مرة طابعاً جديداً، لأن الأذن تتأثر بالأصوات الخارجية، وهذا من شأنه خلق منظومات جديدة للصوت يدفعها لأن تجدد نفسها باستمرار. وهكذا وبوجود قوانين وضوابط عامة للموسيقى نشعر بأن الهيكل العام للموسيقى يختلف ويتجدد من جيل لآخر.
لكن بالرغم من ذلك فإن الموسيقى السريانية الدينية /الكنسية/ تتميز بهويتها عن غيرها. فالموسيقى الدينية محكومة بقوانينها الخاصة. لكن بشكل عام يمكن القول أن الموسيقى السريانية تتفرع لفرعين أساسيين:
1 ـ الموسيقى الدينية (الكنسية).
2 ـ موسيقى غير دينية:
أ ـ الموسيقى الشعبية التراثية.
ب ـ الموسيقى الشعبية المعاصرة.
أولاً ـ الموسيقا الكنسية:
بدون شك عندما نتحدث عن الموسيقا السريانية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو موسيقى الكنيسة السريانية المميزة بتراكيبها وأنغامها. استعمال الموسيقى في الكنيسة بانتظام بدأ في القرون الأولى للمسيحية. في بداية القرن الثاني أدرجت الموسيقى في طقس القداس الكنسي عبر أشخاص حملوا صفات /الشاعر والموسيقي والكاهن/ على حد سواء. واعتباراً من القرن الرابع أدخلت كتابات جديدة وخاصةً في القداس كالقصائد والموشحات والمداريش. وفي القرن السابع الميلادي وصلت إلى عصرها الذهبي. كنائس المشرق امتلكت منظومة متكاملة من الألحان وتقدمت هذه الطقوس الموسيقية وتطورت بشكل خاص في الكنيسة البيزنطية والأرمنية والسريانية /اليعاقبة، النساطرة، الكلدان، الملكيين، الموارنة/ وكعادة الكنائس المشرقية فإن الكنيسة السريانية تمتلك ثمانية ألحان (مقامات) أساسية تشبه طقوس الكنيسة البيزنطية والأرمنية. ويقال لهذه المقامات (الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن) وتبعاً للتقويم الكنسي تنقسم السنة لأدوار أي ثمانية أسابيع. الدور الأول يبدأ بثمانية أسابيع تسبق عيد الميلاد. وفي كل يوم أحد فإن تراتيل الكنيسة تُغنى وفقاً للمقام الخاص بذاك اليوم، وهكذا وفق هذا النموذج:
1 ـ أحد تقديس الكنيسة (المقام الأول).
2 ـ أحد تجديد الكنيسة (المقام الثاني).
3 ـ أحد بشارة زكريا (المقام الثالث).
4 ـ أحد بشارة العذراء (المقام الرابع).
5 ـ أحد ذهاب العذراء إلى إليصابات (المقام الخامس).
6 ـ أحد ميلاد يوحنا المعمدان (المقام السادس).
7 ـ أحد حدوث الرؤيا ليوسف الصديق (المقام السابع).
8 ـ الأحد الذي يسبق الميلاد (المقام الثامن).
وبمعزل عن هذا النظام هناك بعض الأيام يقدم القداس بألحان خاصة بذاك اليوم مثال في ذكرى القديسين الصلوات ترتل غالباً بالمقام الثامن. وفي يوم ذكرى العذراء الصلاة ترتل بالمقام الأول. وعدا عن ذلك هناك ألحان أخرى تقدم بها الصلاة كأيام الصوم وغيرها.
لا شك بأنه في بعض الأحيان نجد شيئاً من التشابه بين الألحان السريانية والعربية والفارسية والتركية. ومثال على ذلك المقارنة التي أجراها الأرخدياقون نعمة اله دنّو بين الألحان السريانية والعربية:
ـ المقام الأول بالسريانية يقابله مقام الموكليف والكزّي.
ـ المقام الثاني بالسريانية يقابله مقام النوريز.
ـ المقام الثالث بالسريانية يقابله نغمات لاويج وشهري.
ـ المقام الرابع بالسريانية يقابله مقام الراست ودمشق.
ـ المقام الخامس بالسريانية يقابله مقام الصبا وجرجه.
ـ المقام السادس بالسريانية يقابله مقام النوى.
ـ المقام السابع بالسريانية يقابله مقام سفين.
ـ المقام الثامن بالسريانية يقابله حجاز مصر وأنغام كركوك.
لا يمكننا أن نقول أكثر من هذا عن الألحان لأنها لم تدون موسيقياً بالرغم من أن الأرخدياقون دنّو في كتابه أعطى رأيه في هذا المجال.
المواضيع الموسيقية الكنسية السريانية الساسية جمعت في كتاب يُعرف (بالبث كاز) أي كنز الحان السريانية، ويتضمن أيضاً حوالي سبعمائة لحن آخر.
في الموسيقى السريانية تفرد للصوت الإنساني أهمية خاصة في خدمة القداس الذي يبدأ بتراتيل تردها جوقات يقودها أحد الملافنة (الأساتذة) أو الكاهن. وتسمى جوقة المرتلين (شمامسة) ولهم درجات مختلفة في الكنيسة ويرتلون بشكل جماعي. وأحياناً يرافق الجوقة فرق نسائية. وأحياناً يتم الغناء بشكل إفرادي بمرافقة الصنوج والمراوح. ومؤخراً أدخلت بعض الآلات الموسيقية الحديثة لخدمة القداس على خلاف ما جرت العادة في الأزمنة القديمة. ومن هذه الالات الأورغ الإلكتروني الذي يستخدم غالباً في القداديس الكبيرة التي تُجرى في كنائس على شكل كاتدرائيات، وتستعمل هذه الآلات لاستمالة مشاعر السامعين، ولكي تساعد المرتل وتجنيبه النشوز عن اللحن. لكن لا يوجد برنامج أو قانون يضبط كل المرتلين في الكنيسة، بل يعتمد على نجاح المرتل أو المغني في ضبط الهارموني الخاص بصوته مع الآلة الموسيقية. هناك بعض السريان ممن يشتكون من هذه العادات الجديدة بحجة الحفاظ على العادات والتقاليد. وفي الوقت ذاته نجد آخرين منفتحين على العصر يشجعون مرافقة الأورغ لصوت المغني ويحثون على استمرار هذه العادة وتطويرها، لكن هذه العادة لم تتبناها بعد كل الكنائس السريانية.
في القرن الخامس عندما انقسمت الكنيسة لفرق وكنائس مختلفة تكونت نماذج وأنماط موسيقية. اليوم يوجد سبعة من هذه الكنائس تستمد الكثير من العادات من الثقافات الوطنية. كنيسة الرها العريقة هي أشهر تلك الكنائس بسبب ألحانها، وأيضاً فإن هناك تشابهاً كبيراً في طقوس القداديس بين جميع الكنائس. لكن الألحان والعادات تختلف في بعض الأحيان تبعاً للزمان والمكان.
ثانيا ـ الموسيقى اللا دينية:
1 ـ الموسيقى التراثية الشعبية: دُرس كثيراً الرأي القائل بأن الموسيقى السريانية استمدت قوتها وقدرتها على الاستمرار من الموسيقى الشعبية. لكننا نفتقر اليوم إلى الدلائل التي تؤكد هذا الرأي. لأن جزءاً صغيراً فقط من الأغاني التي كان يرددها السريان قد وصل إلينا. كأغاني الأعراس أو الجنازات أو الأعياد أو تلك التي تسمع في الحياة اليومية. الأغاني التي جمعت في هذا المجال تبدو قليلة وبعيدة كل البعد عن النماذج العلمية. وما جمع كان نتيجة لجهود فردية من قبل بعض المهتمين، وكثير من الألحان الشعبية التراثية ضاع في ضجة المدن الكبرى عندما بدأت هجرة السريان للدول الأوربية.
وكما قلنا من البداية فإن السريان عاشوا مع الأتراك والعرب والأكراد والأرمن. ومن المعروف أن حاجة السريان للغناء دائماً كان الأكراد يلبونها وهؤلاء كانوا يسمون (مطرب). التقصير في دراسة واستعمال الموسيقى بحياتهم اليومية لا سيما في الأزمنة المتأخرة كانت سبباً رئيسياً في تأثر السريان بالثقافة الموسيقية الكردية. وأجهزت الثقافة الموسيقية العربية والتركية على ما تبقى من إرثٍ موسيقي سرياني.
الروح الهادئة التي تتبدّى في أغاني الشعب السرياني مع استعمال الآلات الموسيقية المزدوجة، أنماط الألحان في الموسيقى الشعبية تبدو أكثر غنىً من تلك الدينية، لأنها تحمل ملامح وخصائص محلية أو وطنية. وتلك الأغاني تحتوي في أحيانٍ كثيرة على ألفاظٍ وتعابير أخذت من الجيران، وحتى اليوم بنفس النغمات يتم تناقل الأشعار السريانية مع استمرار الكثير من الألفاظ الغريبة، وكنموذج على ذلك أغنية (ؤوإسا ـ هورزه) تطرق أذن السامع مباشرةً الألفاظ العربية.
2 ـ الموسيقى الشعبية: في القرن الأخير نزح الكثير من من السريان إلى المدن، وفيها تعرفوا إلى الحياة والثقافة المدنية. وخاصةً بعد عام 1970 مع هجرة أعداد كبيرة منهم لأوربا وأميركا حيث ذابت ثقافتهم وفقدوا بعض ملامحها. والسبب الرئيسي لهذا الوضع محاولة مزج الثقافة الموسيقية الغربية مع السريانية. واقتصر هذا على الغناء بكلمات وأشعار سريانية تم ضبطها على الألحان وهذا دفع لظهور دعوات جديدة والعديد من الأبحاث حول ضرورة إكساب الموسيقى هوية قومية. لكن هذه الدعوات والمحاولات بدلاً من أن تخلق شروطاً أفضل للتجدد والتطور للأسف فشل معظمها. واصطدمت محاولات خلق موسيقى قومية من ألحان الكنيسة بصعوبات كبيرة وجانبها النجاح في كثير من الأحيان. لكن برزت بعض المحاولات الجادة في هذا المجال وأصابت قدراً من النجاح نذكر منها محاولات الموسيقيين السريان (نوري اسكندر، جوزيف ملكي، بول ميخائيل، جورج شاشان) الذين ساهموا بشكل كبير في انطلاق الموسيقا السريانية الشعبية، وخلق أغنية سريانية جديدة.
ثم برزت بعد ذلك أسماء فرق ومغنين انتشرت أغانيهم في أوربا نذكر على سبيل المثال (سمعان زكريا، جان بربر، جليل ماعيلو، حبيب موسى، جوزيف ملكي) وهؤلاء جميعاً اكتسبوا شهرة بين السريان. ومن المغنيات المعروفات اللواتي برزن في حقل الأغنية السريانية الشعبية نذكر (ليندا جورج، نهرين كارس، جوليانا جندو، شميرام ملكي).
الموسيقى السريانية لم تعرف على الصعيد الدولي، لكن يمكن القول أن الموسيقا الشعبية انتشرت بشكل كبير بين السريان في الوطن والمهجر.
بين عام 1960 ـ 1970 الموسيقى السريانية حققت بعض الحضور، وتم إصدار الكثير من الأشرطة الموسيقية السريانية في لبنان وسوريا وتركيا والعراق وألمانيا والسويد.

باركينو


برديصان شرائع البلدان قراءةجديدة

معظم الباحثين والمهتمين بالأدب السرياني يضعون برديصان في منزلة خاصة، يبدو معها نجماً مشرقاً وضاءً في سماء الأدب. بيدَ أنه ليس كذلك لدى الكثيرين من أبناء الشعب السرياني الذين اختزنت ذاكراتهم، واحتشدت بأسماء كتاب وأدباء لم يصلوا مطلقاً لمكانة ومستوى برديصان. والسبب الأساسي في ذلك يعود لأفكار برديصان نفسها التي تبدّت على شيء من الهرطقة والبدع كما شاع لدى الكثيرين ممّن تلقفوا نتف من كتابات هذا الأديب. والبعض يعزو قلة الكتب التي وصلت إلينا، لموقف آباء الكنيسة المعارض لأفكاره، ويذهب هذا البعض إلى اتهام رجال الكنيسة بإحراق كتب برديصان بزعم حماية الأجيال والمؤمنين من اتباع تعاليمه وانحرافهم عن جادة الإيمان. لا ندري مدى صحة هذا الزعم الذي ينفيه جملةً وتفصيلاً قداسة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول بطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. لكن هناك إشارة في أكثر من مصدر سرياني يشير إلى حدوث ذلك. أياً كانت الأسباب فإن ضياع نتاجات هذا الأديب حرم البشرية من فكر أحد أساطين ورموز الأدب والفلسفة والموسيقا ليس لدى السريان فقط وإنما في كل المعمورة.
ونظراً لانتشار هذا الفكر وتأثيره الكبير، لم يتلاشَ مبكراً، وإنما بقي حياً واستمر سنوات طويلة بعد موت برديصان. ولا تزال هناك جماعة صغيرة تقيم في بلاد ما بين النهرين تحمل جزءاً كبيراً من أفكاره، وتسمى هذه الجماعة بالمنداعيين أو المندائيين (هم الصابئة) وكلمة منداعي أساساً كلمة سريانية اشتقت من كلمة (مَدعا) أي المعرفة. وهناك الكثير من الكتب والمراجع تؤكد أن أفكار برديصان الغنوصية استمرت لنهاية العصر العباسي.
برديصان ـ ترجمة حياته:
تحدث العلامة غريغوريوس ابن العبري في كتابه مختصر تاريخ الدول عن برديصان قائلاً: "ظهر رجل يدعى برديصان، وسمي بهذا الاسم لأنه ولد على ضفاف نهر ديصان القريب من الرها. وهذا الرجل كان يدعو الشمس بأبي احياة، والقمر أمها، وفي بداية كل شهر تخلع أم الحياة رداءها المنسوج من النور وتدخل على أبي الحياة لتجامعه، ثم يلدون الأولاد، وهؤلاء الأولاد يتكاثرون، ويكثرون معهم العالم السفلي".
ويفيد ابن العبري في كتابه المذكور بأن برديصان ولد عام 144م من والدين يسميان ونوحاما ونحشيرام.
غير أن الأب ألبير أبونا ذكر في كتابه أدب اللغة الآرامية أن برديصان ولد عام 154م في مدينة الرها من والدين نبيلين وشهيرين. وربما كان التاريخ الأخير هو الأصح لأنه تكرر في كتب سريانية وعربية مختلفة.
في سنة 163 هاجر برديصان لمدينة منبج وتربى في صغره على الديانة الوثنية. لكن في شبابه اهتدى للمسيحية ودرس تعاليمها بعمق وسيم شماساً وربما كاهناً. وعاد أدراجه للرها في الزمن الذي تقلد في مقاليد المملكة أبجر الثامن الكبير 179 ـ 214م وهذا الملك كان صديق طفولته، وهناك من يقول بأن برديصان هو الذي هدى هذا الملك للمسيحية.
هناك من يرجح بأن جذور برديصان وأصوله تعود لمدينة حدياب النهرين. كما ذكر ميخائيل الكبير في تاريخه، وأكد هذا قداسة البطريرك مار زكا الأول في كتابه (قصة مار أفرام السرياني ص 38). وهذا يضع حداً للشكوك حول جنسه لأن البعض حاول نسبه إلى الفرس. ويؤكد على أصوله السريانية إضافة إلى ما ذكر كلمة (بَر : بار) لايستعملها سوى السريان، كما أن أسماء والديه أيضاً هي سريانية خالصة، وزيادة على ذلك فإن ما يثبت سريانيته بشكل لا يدانيه الشك، لا بل تظهر تعصبه لانتمائه السرياني هو كتابته لجميع كتبه وأفكاره باللغة السريانية، وتبعاً لجميع المصادر فإن برديصان مع معرفته الكاملة للغة اليونانية التي كانت لغة الثقافة، ولغة السلطة في ذاك العصر فإنه لم يكتب سوى بالسريانية.
وبعد اهتدائه للمسيحية، بدأ برديصان في نشر المقالات ضد الهرطقات، وبشر بها بحماس، ويؤكد هذا موسى الخوريني في تاريخه الأرمني (ص 2 ـ 66) قائلاً: "إن برديصان كان رجلاً غيوراً ومتحمساً لنشر المسيحية، وجهد كثيراً من أجل إدخال الأرمن في الديانة المسيحية". هذه الملاحظة التي ساقها الخوريني تشير بلا شك إلى عمق الروابط ومتانة العلاقة بين الشعبين السرياني والأرمني، وتداخل تواريخهم. شهادة الخوريني هذه البعض يقول أنها ربما جاءت قبل انحراف برديصان عن الإيمان الصحيح. أما عن موته فقد ذكر ابن العبري في كتابه بأنه تم عام 222م وقيل بأنه في أواخر حياته عاد إلى إيمانه القويم، وتخلى عن الهرطقات التي بشّر بها، وذهب إلى جبال أرمينيا وقضى سنواته الأخيرة هناك.
كتبه ومؤلفاته:
وضع برديصان كتباً كثيرة بكل أنواع المعرفة. لكن لم يبقَ منها سوى كتابه شرائع البلدان الذي يعتبر المادة الأساسية في هذا البحث. ويعتبر من أقدم الكتب المعروفة باللغة السريانية التي وصلت إلينا بعد الكتاب المقدس. ومن مؤلفاته الشهيرة التي انتقلت شفاهاً بعد ذلك مائة وخمسون مدراشاً (قصيدة) نظمها على نمط مزامير داود كما أظهر مار أفرام السرياني، لكن للأسف لم يصل منها شيء. ومن كتبه (النور والظلام ـ الطبيعة الروحية للإيمان ـ الثابت والمتحرك) وذكرت هذه العناوين في كتاب الفهرست لابن النديم. وهناك من ينسب خطأً (قصيدة الروح) لمار توما الرسول. لكن البروفيسور بورغيت قال إن قصيدة الروح هي من نظم برديصان لأنها تحتوي على أفكار غنوصية شبيهة بأفكار برديصان، وأيّده في هذا الأب بولص بيجان الكلداني. ومن كتبه الضائعة كتاب يهتم بعلم الفلك كما ذكر جرجيس أسقف العرب.
كتاب شرائع البلدان يمثل الكتاب الوحيد الذي بقي لنا من مؤلفات برديصان. وكما أسلفنا فهو أقدم الكتب المعروفة في الآداب السريانية الأرضية (اللا دينية) كما ذكر الأب بولص السمعاني في ملحق الجزء الرابع من كتابه (تاريخ الأدب السرياني).
وضع برديصان هذا الكتاب بصيغة السؤال والجواب بينه وبين تلميذيه (عويدو وفيليبوس) وهناك من يعتقد بأن برديصان أملاه على تلميذه فيليبوس، وأن من نسخه هو فيليبوس.
عثر على هذا الكتاب ونشره في لندن بعد ترجمته للغة الإنكليزية المستشرق وليام كوراتون سنة 1855. وطبعه أيضاً المستشرق فرنسيس نو بمدينة باريس عام 1907 بعد ترجمته للغة اللاتينية وطبع عام 1989 في السويد باللغة العربية والسريانية واللهجة السرياني الشرقية بإشراف الأستاذ صبري يعقوب إيشو، ونشرته رابطة المعلمين الآشوريين بالسويد.
وما يثير الاستغراب والتساؤل حقاً هو سبب إضاعة وإتلاف غالبية مؤلفات هذا الأديب دون البقية من الكتاب السريان. ربما إجابة قداسة البطريرك مار زكا الأول في كتابه (قصة مار أفرام السرياني ص 39) تفك شيئاً من ألغاز هذه القصة. إذ يقول: "لأن السريان في ذاك العصر نبذوا السحر والسحرة، وبرديصان كان واحداً منهم، لهذا أتلفوا كتبه). غير أن البطريرك مار زكا ساق رأياً مخالفاً في ختام المهرجان الثاني للأغنية السريانية في مدينة القامشلي عندما قال أن السريان بناة الحضارة لم يحرقوا أو يتلفوا كتبهم، وإنما من فعل ذلك هم أعداء السريان. أياً كانت الأسباب إذ يبدو واضحاً أن السبب الرئيسي الذي تداوله في أكثر من مصدر، هو فكر وتعاليم برديصان نفسها، إذ ربما كانت على النقيض من العقائد السائدة حينذاك وربما تدخلت عوامل سياسية في ذلك. كما أن هذه المنطقة، وبصورة أدق الذهنية الشرقية بالذات، وفي كثير من الأوقات حاصرت أصحاب الفكر وكذلك الأفكار لدرجة الإحراق والإبادة والقتل، وهو جزء من تراث المنطقة الذي لا يمكن إنكاره.
الفكر الأدبي والفلسفي والديني عند برديصان:
عاش برديصان على مقربة من القصر، في أوساط يعمها الترف والغنى. وهذا أتاح له التعلّم والنهل من كل أنواع المعرفة بذلك العصر، كما اطلع على النتاجات الأدبية والفلسفية لكل من سبعة من الأدباء والفلاسفة. وتأثر بالحضارات التي تعاقبت على المنطقة وخاصةً الحضارة الرافدية التي ينتمي إليها ويعتبر استمراراً لها. وزاد من معرفته من خلال الاطلاع على حضارة المصريين واليونان والفرس والهنود والروم.
وللتعرف أكثر على شخصية برديصان ومزاياه لا بد من سرد التعريف الموجز الذي قدمه عنه المستشرق الفرنسي رينان الذي قال: "كان رجلاً اجتماعياً، غنياً وذا صفات حسنة، كريماً، عالماً متبحراً، حجز لنفسه مكاناً داخل القصر، تعمق في علم الفلك، وثقافة اليونان، يشبه نومينس الذي أحاط بعلمه كل الفلسفات والعقائد، دخل المسيحية وبشّر بها كرسول. وكلما آمن بإحدى العقائد المسيحية طبعته بطابعها الخاص، في الوقت الذي لم ينتمِ لأيٍّ منها رسمياً. نبذ برديصان تعاليم مارقيون لشدة تنسكه وزهده، لكن جذبته عقيدة فالنتينيوس بسبب طابعها الشرقي. كفر برديصان بقيامة الجسد، وقال بأن الروح لا تولد ولا تموت. والجسد ليس سوى وعاءً مؤقتاً لحفظ الروح، وزعم بأن يسوع المسيح لم يتجسد حقاً وإنما اتحد بشبح أو خيال". من هذا الوصف الذي قد لا يتفق معه الكثيرون يمكن الوقوف على جانب كبير من فكره الديني والفلسفي.
براعة برديصان برزت بشكل أوضح في مجال الشعر لدرجة يمكن تسميته بأبي الشعر السرياني لما امتلكه من مهارة وقدرة على نظم القصائد، ولأنه جعل للشعر والقصيدة السريانية مكانة وأهمية بارزة. وبعده ارتفع مستوى الشعر السرياني لدرجة غير مسبوقة، وأشار لذلك مار أفرام في إحدى قصائده التي يمكن الاستدلال منها على براعة برديصان في المزج بين الأفكار وفنون الكلام إذ يقول: "نظم برديصان قصائد وأشعار مزجها بألحان وأنغام، وكتب أغانٍ وموشحات، بأوزان وتراكيب فريدة وجذابة، وبهذا جرّع البسطاء المرارة بحلاوة كلامه وجمال ألحانه، أراد الاقتداء بداود، متزيناً بجماله، متشبهاً به، نظم مائة وخمسون أغنية، بعدد مزامير داود، تسابق معه في العدد لكنه وضع الحق جانباً". وبسبب براعته في مزاوجة الكلمة مع اللحن استطاع أن يسحر ويجذب شبيبة الرها لتعاليمه. وتكونت بذلك الوقت فرقة من الشباب الذين هاموا بتعاليمه عرفت بالفرقة الديصانية. وأصبح له أتباع وتلاميذ، عملوا على نشر أفكاره وأشعاره بعد موته. غير أن أشهر هؤلاء هو هرمونيوس ابن ديصان، الذي ضاهى والده في نظم الشعر، وسار على خطواته. وذكر في التاريخ الكنسي في الجزء الذي يتحدث على مار أفرام ومواقفه إزاء الكفار والهراطقة: " ولأن هرمونيوس ابن برديصان، كان قد نظم موشحات، ولأنه خلط الإلحاد بحلاوة النغم، كان يسبي السامعين، ويصطادهم ليوقعهم في التهلكة. لهذا فإن مار أفرام نسج على نفس المنوال، واستخدم اللحن مع الكلمة التي جسدت فخامة الله، وبهذا قدّم للسامعين النغمة الطيبة والدواء الشافي بذات الوقت، ويبدو هذا جلياً في المداريش التي ألّفها".
وأكد تودوريطوس على ما قاله مار أفرام عن برديصان، إذ ذكر بأن برديصان كان ينفخ الكفر والإلحاد بحلاوة النغم لأنه بذكائه الحاد فهم بأن الشباب تواقون للجمال، وبأغانيه تمكن من أن يسحر هؤلاء. إن هذه الشهادات بلا شك تمثل اعترافاً بإمكاناته وقدراته الأدبية والموسيقية الخارقة التي جذبت أجيالاً عديدة لتعاليمه. لكن يبدو أن صفة الهرطقة تظل تلازم برديصان على الدوام. فمار أفرام لا يتوانى عن القول أن الشيطان قد حلّ في جسد برديصان لهذا تجرأ على عدم الإيمان بقيامة الإنسان.
بيد أن الأب ألبير أبونا مع تسليمه بأن آباء الكنيسة ربما امتلكوا براهين وإثباتات تظهر هرطقة برديصان وإلحاده لكنه في الوقت نفسه يقرّ بصعوبة تحديد نوع هذا الإلحاد الذي سار عليه برديصان.
لكن ما تقدم لا ينفي تأثيرات الديانات الأخرى التي انتشرت في المنطقة، فأفكاره تضمنت بوضوح تأثره بالديانات الرافدية القديمة، وكذلك بتعاليم زرادشت وماني. ربما هذا يفسر اهتمامه الشديد بعلم الفلك، وبمهنة التنجيم، وهو يعترف بأحد فصول كتابه شرائع البلدان بأنه كان قد أولى مهنة التنجيم اهتماماً وشغفاً خاصاً. لذلك لم يكن غريباً أن يؤمن بتأثير الأبراج، ونادى برديصان بوجود سبعة عناصر أزلية، أشار إليها مار أفرام في مدراشه الواحد والخمسين وتتكون من (العالم، النار، الروح، الماء، التراب، الشيطان، الإنسان).
بالرغم من الجهود والمحاولات المستمرة التي بذلها مار أفرام في محاربة تعاليم برديصان، غير أن قصائده وأشعاره ظلت منتشرة ومطلوبة في الرها لغاية عصر أسقفها رابولا عام 435، وهذه الحرب الفكرية التي استخدم فيها مار أفرام نفس الأسلحة التي استخدمها برديصان في نشر فكره، تدل بلا أدنى ريب على قوة تأثير وعمق الأفكار التي قدمها برديصان، بحيث أخذت زمناً طويلاً قبل زوالها أو إزالتها. لكن ألحانه بقيت في الكنيسة، لأن مار أفرام نفسه وجد نفسه مضطراً لاستخدامها لا بل أضاف عليها، وحمّل عليها أشعاره وقصائده التي ضمنها التعاليم الصحيحة أو الرسمية للكنيسة.
شرائع البلدان ـ قراءة جديدة:
عندما يدقق القارئ بإمعان في كتاب شرائع البلدان، ويضع جانباً المؤثرات الدينية والتفسيرات المتباينة لدى كل طائفة أو مذهب، ويتخفف مما قرأ أو سمع عن إلحاد برديصان، ويتوسل الهدوء أثناء قراءته لهذا الكتاب دونما موقف مسبق أو جمود أو تعصب. فإنه بدون ريب وبدون مبالغة سيتوقف أمام نبع دفّاق من المفاهيم والقيم الأخلاقية التي تناسب هذا العصر وكل العصور صاغها برديصان بطريقة مبسطة وقريبة من إدراك القارئ العادي مستخدماً سبيل الحوار والمحادثة. وربما هذا ساعد على انتشار هذا الكتاب عصر ذاك، وبالتالي ساعد على انتشار هذه القيم والمفاهيم، وأعطاها تأثيراً كبيراً لدى العامة. وفي هذا الكتاب يتبدى برديصان محاوراً ومتحدثاً هادئاً ولبقاً متقناً لقواعد الحوار، ومتقبلاً للآراء الأخرى المختلفة، دون أن يبتعد عن المنطق في سعيه لدحض الآراء الأخرى وبهدف الوصول إلى قناعة كاملة بصواب ما يطرح لدى القارئ. ثقافته ومعرفته الواسعة بشتى أنواع الأدب والمعرفة ساعدته على بلوغ هدفه هذا.
ويتجلى بوضوح من خلال هذا الكتاب مدى تقدير برديصان لعقل الإنسان الذي لم يستخف به مطلقاً كما فعل ويفعل آخرون، إن مزايا مثل هذه تبدو في أيامنا هذه غائبة أو معدومة لدى الكثير من المثقفين. ولا بد أن يزداد احترامنا لفكر ومواقف برديصان عندما نكون على بينة حقيقية على طبيعة العصر الذي عاش فيه، عصر سيطر عليه الجمود والتعصب الأعمى للعقائد، غذى هذا تسلط إمبراطوريات سعت بكل ما تستطيع فرض عقائدها ودياناتها بكل السبل بما في ذلك القوة العسكرية.
إذاً نقول بأن برديصان كان فيلسوفاً اهتم بشؤون الدنيا أكثر من اهتمامه بأن يكون مبشراً لعقيدة دينية. وحاول أن يوائم ويوفق بين الفلسفة والعقيدة، وتبسيطها بهدف تقريبهما من عقل الإنسان، مستخدماً في ذلك سبيل الموسيقا القادرة على تحريك مشاعر وأحاسيس الإنسان.
وبرديصان بالرغم من تصديه لبعض العقائد، لكن تعاليمه تجسد معظم إيجابيات الدين. لأن فكره قام على أسس أخلاقية يعمل الجميع لترسيخها وتثبيتها لأنها تؤكد إنسانية الإنسان. وهذه الأسس وإن اتشحت برداء ديني لكنها أسس أرضية في المقام الأول. ومن القضايا التي تناولها برديصان في هذا الكتاب قضية الحرية كمثال. هذه القضية التي ما تزال مثار اهتمام الإنسان وأمله في كل مكان وزمان. وهذا ربما يقدم تفسيراً لتقلبات برديصان، وسعيه الدائم في بلوغ المعرفة، لأن البحث عن المعرفة وبلوغها هو فعل الحرية بعينه.
وفي شرائع البلدان يكشف عن فلسفة مسيحية حقيقية لا تخفي ذاتها إذ يقول: "إن الحكمة الإلهية هي التي بنت العالم، وخلقت الإنسان، ونظمت إدارته، ومنحت لكل مسألة قانونها، والقدرة للسيطرة على ذاتها".
ومجمل الكتاب يدور حول ثلاثة عناصر وجودية يرى برديصان أنها تحرك الإنسان وتوجهه، وهذه العناصر هي : (الطبيعة، القدر، الإرادة أو الحرية). ويقول: "الطبيعة تحتوي على قوانين ثابتة لا تتغير، والقدر هو السلطة التي منحها الله للكواكب والنجوم، وكلما انحرفت الطبيعة عن حقيقتها ومسارها، يكون هذا بسبب القدر الذي يتجلّى تأثيره عند عملية الولاة. أما الإرادة فهي الحرية التي تسمح لنا فعل الخير أو الشر وبكل ما لم يتحدد في الطبيعة أو القدر".
والكتاب بمجمله ينطوي على تأكيد مفهوم الحرية: "الإنسان خلق حراً، والكواكب التي تملك سلطة على جسده، لكنها لا تملك أية سلطة على روحه". وحاول برديصان الغوص في أعماق النفس البشرية للوقوف على الأسباب التي تجبر الإنسان على فعل الخير أو الشر، مقترباً بذلك من علم النفس كما يسمى في عصرنا الحالي ويقول: "عندما يأتي الإنسان بفعل جيد، سيطيب خاطره ويرتاح ضميره وسيفخر بأن يرى كل إنسان فعله. وعندما يخطئ ويأتي بما هو ضار، ستضطرب نفسه وتهتاج، ويمتلئ بالغضب، وسيشعر بانسحاق نفسي وجسدي، وعندما يستمر بهذا الفعل وهذا الرأي، سيجهد لإخفاء عمله عن أعين الناس". ويقول أيضاً: "عمل الجسد تعطله الشيخوخة والمرض والفقر".
ميّز برديصان في هذا الكتاب بين المحبة الزائفة والمحبة الحقيقية قائلاً: "المحبة الزائفة تدعى شهوة تكفل راحة مؤقتة للنفس، لكنها بعيدة كلياً عن المحبة الحقيقية التي تضمن راحة أبدية لا تنتهي".
والجانب الأخلاقي لا يكاد يختفي حتى يظهر بين ثنايا الكتاب، لا بل يحرص برديصان على إظهاره لكن بطريقة مبسطة وسلسة: "لا يُخجِل الإنسان إن كان طويلاً أو قصيراً، أبيضاً أم اسوداً، عيناه كبيرتان أم صغيرتان، ولا يُخجِله كذلك أياً من عيوب الجسد، يُعابُ فقط إن كان سارقاً أو كاذباً.. مخادعاً". ويؤكد برديصان على حرية النفس والإرادة: "تلك الأعمال التي لا نقترفها بأيدينا من الطبيعة تأتي وتحدث. على هذه الأعمال لا نحاسب، كما لا تجلب لنا الفخر. لكن تلك التي بحريتنا نقوم بها إن كانت جيدة، نتمجد بها، وإن كانت سيئة، نلام عليها ونُدان". وتحدث في كتابه بشيء من الدقة على كتاب الكلدان (الفلك) وعلى شرائع وعادات وممارسات بعض الشعوب مثل /الشيرييّن والهنود والفرس والغاليين والأمازونيس/.
وختاماً أقول انه في هذه العجالة لا يمكن الوقوف على كافة آراء برديصان وأفكاره، كما لا يمكن أن نفيه حقه كرمز من رموز الثقافة السريانية على مرّ العصور، بسبب قلة المصادر التي تتناوله من ناحية، ولأن دراسة فكره تحتاج للكثير من التدقيق والتعمق وهي من مزايا الأكاديميين التي لا ندّعي امتلاكها. أياً كان الأمر فغن برديصان وإن بقي مجهولاً من قبل الكثيرين، فإن مار أفرام ردّ له اعتباره وإن بشكل غير مقصود من خلال صراعه مع فكر برديصان، حيث تسلّح مار أفرام بكل عبقريته، وتسلّح بأسلحة برديصان من أجل إزالة فكره، وفي هذا دلالة على عبقرية برديصان ومكانته الفكرية والأدبية. نأمل أن نكون في محاولتنا هذه قد أضأنا بعض جوانب فكر هذا الفيلسوف السرياني بما تسنى لنا من مراجع.
مراجع البحث:
1 ـ ملحق الجزء الرابع من تاريخ الآداب السريانية. الأب بولص السمعاني.
2 ـ ثقافة اللغة الآرامية . ألبير أبونا.
3 ـ قصة مار أفرام السرياني. قداسة البطريرك مار زكا الأول عيواص.
4 ـ شرائع البلدان. برديصان ـ السويد 1989.
5 ـ مقالات متعددة.

باركينو

مذابح اآشوريين ... رحلة الموت ... والعذاب

تعتبر بلاد ما بين النهرين من أقدم المراكز الحضارية في العالم القديم. ومنذ فجر التاريخ أقام فيها الآشوريين المدن وكونوا لهم حضارة وثقافة نمت وازدهرت حتى انتشرت وسادت في مناطق واسعة من بلاد الشرق.م، بعد سقوط نينوى سنة 612ق.م ، بدأت حضارة بلاد ما بين النهرين تتعرض للهدم والتخريب والدمار على أيدي الغزاة الأجانب من (الفرس والروم والعثمانيين....وغيرهم ).حيث كانت معظم الموجات الغازية الطامعة اتسمت بحملات الإبادة الجماعية وإفراغ بلاد ما بين النهرين من سكانها الأصليين.

في بداية القرن السادس عشر الميلادي نجح العثمانيون في ضم بلاد ما بين النهرين وأرمينيا ومعظم المناطق العربية في آسيا وأفريقيا إلى إمبراطوريتهم. وعندما اتجه العثمانيون غرباً لتحقيق أطماعهم بالسيطرة على أوربا، تركوا الأقوام القاطنة هناك على حالها تتمتع بشيء من الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونهم الداخلية. إلا أن هذه الحالة تغيرت مع بداية انحطاط العثمانيين في بداية القرن الثامن عشر. وبعد أن بدأت تركيا تخسر مستعمراتها في أوربا الشرقية وشمال أفريقيا، أعادت السيطرة المركزية على الأقاليم العثمانية في آسيا فقامت بغزوها وأعادت فرض السيطرة التركية على المراكز الأرمنية في أرمينيا ومناطق الآشوريين في بلاد ما بين النهرين مثل تياري وحكاري وطور عابدين. جلب الأتراك وحلفاؤهم خلالها الدمار الشامل لمناطق الأرمن والآشوريين وهلاك سكانها وتشريدهم وطردهم إلى مناطق بعيدة عنها، بعد أن حولها إلى ساحة حرب ومذابح جماعية. فقد مارسوا شتى أنواع التدمير والنهب والتخريب بحق ثقافات وحضارة شعوب عديدة في مقدمتهم الأرمن والآشوريين واليونان.

معظم المراجع التاريخية عن أصل الأتراك يؤكد على أنهم جماعة أو قبيلة من متوحشة من العثمانيين اندفعت من سهوب آسيا الوسطى، سحقت شعوب بلاد ما بين النهرين وآسيا الصغرى واحتلت مصر والجزيرة العربية وأقامت إمبراطوريتها على جماجم هذه الشعوب وعلى أنقاض حضارتها. فقد اجتاح الأتراك كل هذه المناطق بقوة تدميرية هائلة وأصبحت بلاد ما بين النهرين (سلة الغلال) صحراء قاحلة خلال سنين معدودة وأصاب مدن الشرق الأوسط البؤس وأصبح سكان هذه المناطق التابعة لهم عبيداً. إن الشعب الآشوري الذي أغنى الحضارة الإنسانية عبر التاريخ. ومعظم الشعوب التي استعمرها العثمانيون التي عانت من مظالم العصبية والسياسة الشوفينية للعثمانيين حتى وصل الأمر بهذه الشعوب إلى مستوى الانحطاط الثقافي والاجتماعي بسبب عقلية الرعاع الأتراك المستعمرين وما زالت بصمات التخلف وآثار الانحطاط ظاهرة على هذه الشعوب. وقد شخص كل من شكسبير وفيكتور هوغو مخاطر السياسة العثمانية الغاشمة بالقول: (من هنا مرّ الأتراك). والدولة العثمانية لم تكن تهدف إلى مجرد إبادة هذه الشعوب من خلال القتل الجماعي والتهجير فحسب ، وإنما كانت محاولة لدفن أعرق وأقدم حضارات الشرق القديم،فهي لم تكن عدو هذه الشعوب فقط بل كانت عدو الحضارة والثقافة الإنسانية ذاتها . هذا وقد عبث الغزاة الأجانب بماضي وحاضر ومستقبل شعوب المنطقة. لو ألقينا نظرة سريعة على الخريطة السياسية لدول المنطقة التي رسمت بعد الحرب العالمية الأولى حيث تم تصفية تركات الإمبراطورية العثمانية بعد سقوطها نلاحظ أن حدود جميع هذه الدول يفتقر للموضوعية ووضعت لتخدم مصالح الدول الاستعمارية المتنفذة على حساب شعوب المنطقة فقد كان الخطأ التاريخي الكبير – والخطأ التاريخي من الصعب جداً تصحيحه- هو عدم معالجة قضايا هذه الشعوب مما سبب لها الكوارث والمحن على مدى عهود طويلة وإلى تاريخ اليوم.

وتعتبر الفترة المحصورة بين 1841-1848 مرحلة عاصفة في تاريخ وحياة الآشوريين في بلاد ما بين النهرين، حيث سادتها حالة الصراع الذي فرض عليهم من قبل أطراف مختلفة في مقدمتها الأتراك وكذلك المبشرون الأوربيون والأمريكان ومن معهم من حلفائهم من العشائر والقبائل الكردية، في مقدمتهم زعيم أكراد بوتان (بدر خان بك). يقول عنه –هرمز أبونا- في كتابه الآشوريين منذ سقوط نينوى (الذي أقترف أولى المذابح الجماعية في التاريخ الإنساني الحديث حيث توفرت له فرصة ذهبية أثناء فترة فرض الأتراك لحكمهم المباشر على بلاد ما بين النهرين لإكمال التغيير في الخريطة الديمغرافية والسيطرة على ما تبقى من المناطق الجبلية لبلاد أشور التي ظلت مستقلة حتى ذلك الحين). إذن ثلاثة أطراف رئيسية كان لها تأثيراً مباشراً في تقرير حاضر ومستقبل الشعبين الأرمني والآشوري وهي: الأتراك والأكراد والمبشرون الغربيين. فقد كان للأطراف الثلاثة دور مباشر وغير مباشر في المذابح التي تعرض لها كل من الأرمن والآشوريين وما لحق بوطنهم من تدمير أثناء حملة إخضاعها. فمنذ سنة 1831م شهدت بلاد ما بين النهرين حضوراً عسكرياً وسياسياً تركياً تزامن مع الحضور الغربي الذي أتخذ أشكال متعددة، وكان أكثرها فاعلية وتأثيراً النشاطات السياسية للمبشرين الذين تمكنوا من رسم مسار الأحداث بالطريقة التي أدت إلى النتيجة المتوخاة وهي إخضاع المناطق المسيحية للسيطرة التركية المباشرة،وقد قام المبشرون بتنسيق جهودهم مع كل من الأتراك والأكراد.
يقول الباحث هرمز أبونا في كتابه (الآشوريون بعد سقوط نينوى) عن دور المبشرون في المذابح: ((مبشرون أم سياسيون؟ لقد لعب المبشرون خلال فترة بين 1831-1847م دوراً مؤثراً في حياة الشعب الآشوري (السرياني) في بلاد ما بين النهرين، وكانوا وراء الكثير مما حل بأبناء هذا الشعب من نكبات ومآسي وتدمير شامل للبنية العامة التي كان قد نجح بالمحافظة عليها وعلى كيانه القومي وترابه الوطني إلى وقت حضورهم إلى المنطقة)). وقد أكد هذا الدور مراسل الجريدة اللندنية – باد كير- . تلك المذابح أدت إلى تحقيق النتيجة التي كان الأتراك ومن معهم من الأكراد يتوقون إليها وهي الاحتلال المباشر لمناطق السريان (الآشوريين) والأرمن، وهذه كانت تصب ضمن دائرة المصالح العليا للقوى الغربية الهادفة إلى السيطرة على المستعمرات العثمانية في آسيا. فقد أظهرت الوثائق هؤلاء المبشرون كسياسيين لا كرجال دين، لقد عمل المبشرون الغربيين كل ما بوسعهم لإنجاح الحملة التركية للقضاء على المسيحيين من أرمن وآشوريين ويونان، باعتبار كان ذلك من مستلزمات السيطرة على مستعمرات الإمبراطورية العثمانية المريضة بعد سقوطها. لقد أنخدع الأرمن والآشوريين المسيحيين بالمبشرين باعتبارهم مسيحيين مثلهم ولم يدركوا بأنهم جواسيس لا مبشرون جاءوا لخدمة حكوماتهم وتحقيق غاياتهم ومصالحهم. فبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م بين تركيا العثمانية وألمانيا من جهة ومع كل من روسيا وإنكلترا وفرنسا من جهة ثانية وقف الأرمن والآشوريين إلى جانب دول الحلفاء في الحرب على أمل أن يحققوا لهم الوعود التي قطعوها على أنفسهم بحماية المسيحيين داخل الإمبراطورية العثمانية والدفاع عن حقوقهم القومية بتحرير أرمينيا وبلاد ما بين النهرين وإقامة الوطن القومي لكل من الأرمن والآشوريين. خاصة بعد أن تم تجنيد الكثير من الجواسيس للوفود إلى هذه المنطقة باسم المبشرين ورجال الدين وتمكن هؤلاء من أن يوهموا القيادات المسيحية بأن الأتراك عازمون على ضرب المسيحيين والقضاء عليهم ونصحوهم بحمل السلاح ضد تركيا، ومن جهة أخرى أوهم السلطات التركية ذات النزعة القومية المتعصبة بأن المسيحيين يتسلحون من روسيا وهم يستعدون لضرب تركيا من الداخل. الأمر الذي دفع تركيا لمطالبة الأرمن والآشوريين بتسليم سلاحهم فوراً. ولما امتنعوا عن ذلك أعلنت الجهاد المقدس على المسيحيين رعايا الدولة العثمانية، وجهزت تركيا حملاتها العسكرية ضدهم وجندت لهذا الغرض آلاف الأتراك والأكراد تحت اسم (الفرق الحميدية).

في نهاية القرن التاسع عشر بدأ ينمو الوعي القومي و الفكر السياسي الوطني للشعوب المظلومة وبدأ المثقفين والمفكرين من هذه الشعوب بإنشاء حركات التحرر وتأسيس الأحزاب الوطنية التي طالبت وناضلت من أجل التخلص من وطأة حكم الأتراك العثمانيين وبدأ يتصاعد النضال التحرري والكفاح المسلح لهذه الشعوب المظلومة من (العرب والأرمن والآشوريين ...وغيرهم...وغيرهم ....). مما دفع تركيا -وهي تشعر بالهزيمة - للقيام بحملة اعتقالات وإعدامات لرواد الفكر القومي ورموز النضال التحرري الذين دعوا إلى تحرير الشعوب المظلومة من حكم الأتراك. وكانت هذه الحملات تمهيداً لحملات الإبادة الجماعية و(المذبحة الكبرى)عام 1915م بحق الأرمن والآشوريين. والتاريخ الآشوري حافل بأمثال هؤلاء المناضلين أمثال الصحفي أشور يوسف الذي أعدمته السلطات التركية عام 1915 والمفكر نعوم فائق الذي ترك وطنه بسبب ملاحقة السلطات التركية له.
يقول(أرنولد توينبي) المؤرخ الإنكليزي في مذكراته)): لم يكن المخطط يهدف إلا إلى إبادة السكان المسيحيين الذين يعيشون داخل الحدود العثمانية.)). ويقول(هنري مورغنتاو) السفير الأمريكي لدى القسطنطينية))في ربيع عام 1914وضع الأتراك خطتهم لإبادة الشعب الأرمني.وانتقدوا أسلافهم لعدم تخلصهم من الشعوب المسيحية أو هدايتهم للإسلام منذ البدء. ويضيف: لقد أتاحت ظروف الحرب للحكومة التركية الفرصة، التي طالما تاقت إليها، لإحكام قبضتها على الأرمن)). فبدلاً من أن تنفذ تركيا الالتزامات. التي تعهدت بها في الهيئات والمحافل الدولية اتجاه القوميات غير التركية ورعاياها من المسيحيين، قامت بارتكاب المجازر الجماعية بحق هذه الشعوب.وجندت لها الآلاف من جنود الجيش وبعض القبائل والعشائر الكردية المسلمة باسم الدين. هذا وقد أدانت القوى العالمية الكبرى تلك المذابح واستنكرتها وحملت الحكومة التركية مسؤولية كل ما جرى من ويلات ومآسي للأرمن والآشوريين.ونالت قضايا شعوب المنطقة الواقعة تحت الحكم العثماني المزيد من التعاطف والتأييد الدوليين. ففي كانون الثاني عام 1919م وضعت الدول الكبرى الأربع- إنكلترا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا- مسودة صيغة تحدد أهداف الحلفاء من الحرب وقد تضمنت الفقرة التالية التي تتناول القوميات من رعايا الإمبراطورية العثمانية ما يلي)) نظراً لسوء إدارة الأتراك لرعياهم من الشعوب الأخرى والمجازر الرهيبة التي ارتكبوها ضد الأرمن وضد شعوب أخرى كالسريان خلال السنوات الأخيرة، فإن الحلفاء والقوى المرتبطة بها وافقت على وجوب اقتطاع أرمينية وسورية وبلاد ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية بصورة نهائية عن الإمبراطورية التركية)).
avatar
اسحق قومي
المدير العام
المدير العام

ذكر
عدد الرسائل : 834
العمر : 68
الموقع : http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum
العمل/الترفيه : معاقرة الشعر والأدب والتاريخ والإعلام والسياسة
المزاج : حسب الحالة
تاريخ التسجيل : 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للبحث

مُساهمة من طرف اسحق قومي في الأحد مارس 07, 2010 11:19 am

في الرابع والعشرين من نيسان من كل عام يقف الشعب الآشوري بطوائفه إلى جانب الشعب الأرمني الشقيق دقيقة صمت حداداً على أرواح ملايين الشهداء الذين قضوا نحبهم في المذبحة الكبرى التي نفذها الجيش التركي ومن معه من العشائر والبائل الكردية عام 1915 بحق كلا الشعبين، في أرمينيا وبلاد ما بين النهرين الواقعة تحت الحكم العثماني. أرادت الدولة العثمانية من هذه المذبحة الجماعية البشعة التخلص من الأرمن والسريان الآشوريين في وقت بدأت قضيتهما تحظى باهتمام إقليمي ودولي مع تصاعد نضالهما التحرري للتخلص من الاحتلال العثماني. في مثل هذا اليوم يستعيد كل من الأرمن والسريان الآشوريين ذاكرتهم التاريخية بكل عناصرها ومكوناتها، ليس من أجل استعادة الماضي بكل مآسيه وآلامه ونكباته والبكاء على أطلال حضارتهم، وإنما لتذكير تركيا بتلك الجرائم الإنسانية التي اقترفتها ومطالبتها الاعتراف بمسؤوليتها تجاهها وتحمل ما يترتب على ذلك من نتائج. كذلك لإيقاظ الضمير العالمي اتجاه ما يجري من جرائم إنسانية بحق العديد من الشعوب هنا وهناك بين فترة وأخرى، كما يجري اليوم بحق الشعب الفلسطيني من جرائم وما يتعرض له من قتل وطرد جماعي من أرضه وهدم المنازل على سكانها على أيدي الجيش الإسرائيلي المحتل لفلسطين.
لم تكن المذبحة الكبرى التي قام بها العثمانيين عام 1915م سوى واحدة من سلسلة المذابح الكثيرة التي تعرض لها الآشوريين عبر تاريخهم الطويل، كانت أخرها مذبحة (سيمل) في العراق عام 1933م.لكن المذبحة الكبرى على يد الأتراك تمثل أقسى مراحلها لا بسبب الأعداد الكبيرة من القتلى فحسب، وإنما لبشاعة الجريمة والطريقة البربرية والهمجية التي نفذت بها المجزرة. فقد اتسمت الحملة بأبشع صور السادية والعنصرية والنازية، وعدم الرحمة والتمييز في القتل بين الرجال والنساء والأطفال حيث شملتهم المذابح.وقد وصفها بعض شهود العيان الذين تسنى لهم الإطلاع على نماذج من المذابح،وقد قارنوها مع تلك التي أقترفها تيمورلنك أثناء مذابحه الدموية الشاملة ضد أبناء بلاد ما بين النهرين خلال أعوام 1393-1401م .ويعتبر القنصل البريطاني في الموصل من أكثر المراجع الدبلوماسية الغربية قرباً من مسرح وساحات المجازر المرعبة ،ففي تقرير له إلى سفير بلاده في القسطنطينية كتب واصفاً تلك المذابح بالقول: ((بأنه عار في جبين الإنسانية)).يقول الفيلسوف الإنكليزي(كانت): (( إذا كان قتل طفل بريء يسعد البشرية جمعاء فقتله جريمة ))، ماذا كان سيقول كانت لو علم أن العثمانيين لم يقتلوا طفلاً بريئاً فحسب، وإنما قتلوا وأبادوا شعوباً وأمماً بريئة. وإذا قارنا الخريطة الديمغرافية للمناطق المسيحية في كلٍ من أرمينيا و بلاد ما بين النهرين الواقعة تحت الحكم العثماني كما كانت عليها قبل المذبحة الكبرى عام 1915م مع ما أصبحت عليه بعد المذابح نكتشف ببساطة هول الكارثة وحجم المأساة التي حلت بالشعبين الأرمني والآشوري. ومدى الخراب الذي لحق بالبنية التحتية والفوقية لمجتمعات هذه الشعوب. وأنها كانت بدون مبالغة محاولة لإنهاء الوجود المسيحي من هذه المنطقة، ودفنه وبكل ما كان يملكه من حضارة وثقافة وتاريخ تحت الأرض.

يقول (هنري مورغنطاو –السفير الأمريكي في تركيا ما بين 11913 - 1916 في كتابه قتل أمة: (إن التعصب الديني عند الغوغاء والرعاع الأتراك ومن معهم من الأكراد بدون شك كان الحافز الذي دفعهم لذبح الأرمن خدمةً لله. لكن الذين فكروا وخططوا للجريمة كانوا عملياً كلهم ملحدين لا يحترمون لا الإسلام ولا المسيحية والباعث الوحيد عندهم كان تمرير سياسة الدولة الماكرة والمجرمة). ويضيف في مكان آخر من كتابه: (لم يكن الأرمن الشعب الوحيد بين الأمم التابعة لتركيا عانت من نتائج سياسة جعل تركيا بلداً للأتراك حصراً). فهناك اليونان والآشوريين من السريان والنساطرة والكلدان أيضاً فالقصة ذاتها تطبق عليهم مع بعض التعديل. أن تركيا ستبقى مسؤولة عن كل تلك الجرائم أمام الحضارة الإنسانية).

عندما يتأمل الزائر الكنائس والأديرة الآشورية في بلاد ما بين النهرين مثل دير مار أود يشو في أعالي جبال أشور ودير مار كبرئيل في أعالي جبال طور عابدين و دير مار متى في أعلى قمة جبل مقلوب قرب نينوى (الموصل) الذي يضم رفات العديد من القديسين منها رفات العلامة (أبن العبري) الذي سامه البطريرك أغناطيوس الثالث مفرياناً على بلاد مابين النهرين والعراق، بعد أن هرب من اضطهاد التتر والمغول في القرن الثالث عشر ميلادي كما هرب من قبله القديس مار متى من الاضطهاد الروماني في القرن الرابع الميلادي. هذه الأديرة وغيرها من الأوابد التاريخية الآشورية تكشف للزائر حجم المأساة الآشورية وتشرح له وهي صامتة عن رحلة العذاب والموت الطويلة التي أجبر الآشوريين عليها عبر تاريخهم الطويل. فقد ساهم في إقامة هذه الأديرة والكنائس الآشورية على أعالي الجبال الشاهقة كل من العقيدة (الإيمان المسيحي) والبيئة (الجغرافيا) والتاريخ (المآسي والمحن الجماعية التي حلت به)، فهي تلخص قصة عذاب وتاريخ شعب كامل. فلم يقيم الرهبان الآشوريين صومعاتهم ومعابدهم على قمم الجبال بدافع اليوتوبيا ليكونوا أكثر قرباً من الله، وإنما التجؤوا إلى الجبال خوفاً وهرباً من بطش الأعداء، حيث كانت الجبال وحدها الملاذ الآمن للآشوريين العزل. إن مسيرة العذاب ورحلة الآلام الطويلة للآشوريين التي بدأت مع سقوط نينوى عام 612 ق.م علمت الإنسان الآشوري المعاناة والعذاب في وقت مبكر وعلى التحدي ومجابهة المخاطر، وباتت العزلة والانطوائية من سمات حياته، وربما كانت عاملاً ساعدهم على الاحتفاظ بلغتهم القومية وبالكثير من عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية وخصائصهم القومية. إن الشعب الآشوري كما في كل مرة استطاع تجاوز محنته وهول الكارثة الإنسانية التي تعرض لها، وتمكن من لملمة جراحه والنهوض بذاته من جديد. خاصةً في سوريا حيث نعم بالأمن والاستقرار منذ استقلالها واستطاع خلال سنوات قليلة من إنعاش الجزيرة السورية من خلال نشاطه الزراعي والتجاري، وحركة العمران التي بدأ بها في معظم مدن وبلدان وقرى الجزيرة، وإقامة المؤسسات الاجتماعية والتربوية والثقافية والرياضية وفتح المدارس الخاصة بكنائسه لتعايم أبنائه. واليوم يعتبر مستوى التحصيل العلمي والثقافي للشعب الآشوري في الجزيرة متميزاً عن باقي فئات المجتمع. والثقافة السريانية من لغة وآداب التي صمدت كثيراً في وجه وهمجية الغزاة، هي اليوم في مرحلة نهوض وانبعاث جديدة بالرغم مما أصابها من ضعف وانحسار بسبب عهود طويلة من الانحطاط التي فرضت على الشعب الآشوري.

رغم كثرة الأحداث المأساوية والمذابح والاضطهادات التي تعرض لها السريان الآشوريين عبر القرون الأخيرة فإن القليل منها يمكن توثيقه ونشره، بسبب الضعف العام الذي عم حياة هذا الشعب، وانشغاله الدائم لإيجاد سبل النجاة وتوفير لقمة العيش. فالشعب الآشوري الذي كان ضحية الحملات الدموية وصلت به الحال حداً تراجعت عنده الكثير من الأولويات في حياته، فشاعت الأمية لدرجة كادت مسألة التوثيق وكتابة التاريخ لا تجد من يقدم لها العناية اللازمة، لا سيما بعد المذابح المروعة التي اقترفها تيمورلنك في نهاية القرن الرابع عشر. وأن القليل الذي تم توثيقه هو ما نال اهتمام رجال الدين ورهبان الأديرة، يكاد لا يذكر وهو يفتقر إلى التحليل السياسي للأحداث في سياقها التاريخي الصحيح، والذي انحصر بمعظمه على شهداء الكنيسة والقديسين مثل كتاب (شهداء المشرق) الذي طبع في الموصل في دير الآباء الدومينيكان سنة 1906.

لقد ظلت مأساة الشعب الآشوري – على فظاعتها وأحداثها المروعة – لعقود طويلة طي النسيان والكتمان ووضعت على الرفوف المهملة البعيدة عن الاهتمام الواجب لكشف الحقيقة وبيان حجم المأساة التي تعرض لها الشعب الآشوري الأعزل.

لقد مضى أكثر من سبعة وثمانون عاماً على المذبحة الكبرى. أكبر مذبحة في التاريخ البشري الحديث وما زالت تركيا تتشبث بعصبيتها وعنجهيتها وعقليتها الشوفينية التي خططت ونفذت المذابح بحق المسيحيين، وما قضية القس يوسف أكبولوت عام 2001 وإحالته لمحكمة أمن الدولة التركية لمجرد تصريح مقتضب أدلى به إلى إحدى الصحف التركية عن حقيقة المذابح التي ارتكبتها تركيا بحق السريان عام 1915 إلا دليلاً يؤكد استمرار تركيا في موقفها الشوفيني المتعصب والرافض للاعتراف بهذه المذابح وخشيتها من فتح ملف هذه القضية. فهي ترفض لتاريخه الاعتراف بتلك المذابح التي اقترفتها. وعدم اعترافها هذا ليس لقناعتها بعدم حصول المذابح وإنما تهرباً مما قد يترتب عليها من مسؤوليات أمام المجتمع الدولي واتجاه كل الأرمن والآشوريين وبقية الشعوب التي نفذت بحقها المذابح. ومن ثم تفتح باب الحوار مع هذه الشعوب لإيجاد الحل لمشاكلها مع تركيا. لكننا على يقين أن تركيا لن تقدم على مثل هذه الخطوة من تلقاء ذاتها وعلينا ألا ننتظر منها ذلك، فهذا يحتاج إلى جهد دبلوماسي كبير عبر مختلف الأقنية الدبلوماسية والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والشعوب للضغط على تركيا بهذا الاتجاه. هذا وقد جاهدت القوى السياسية والفعاليات الثقافية والاجتماعية الأرمنية في أوربا وأميركا وقطعت أشواطاً كبيرة في هذا الاتجاه. فقد أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية في جلستها عام 2000 بمسؤولية تركيا عن المذابح. وهذا كان إنجازاً هاماً ومكسباً كبيراً حققه الأرمن لقضيتهم في تركيا.

ومنذ سنوات بدأ الآشوريون بمختلف فعالياتهم السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية تحريك قضية مذابح عام 1915 في تركيا على الساحة الدولية وعرض ملف هذه القضية على المنظمات والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والشعوب والبرلمانات الأوربية. ففي السويد تم مناقشة قضية مذابح (السريان) الآشوريين في تركيا في أكثر من جلسة، كانت أخرها في آذار 2002 ونسبة المؤيدين هي في ازدياد مستمر. ونحن متفائلون بأن تحظى هذه القضية باهتمام أكثر وتأييد أكبر في أوربا والعالم، وخاصةً بعد ازدياد الاهتمام الدولي بقضايا الشعوب المظلومة والجرائم الإنسانية التي اقترفت بحقها. وتم تأسيس العديد من المحاكم الدولية لأجل هذا الغرض. ما من شك أن هذا يحتاج إلى المزيد من الجهود والعمل المنظم والجماعي والمدروس من قبل الفعاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والسريانية والآشورية وفي مقدمتهم رجال القانون الدولي الآشوريين على الساحة الدولية.

المراجع:
-القضية الأرمنية والقانون الدولي. شاوارش طوريكيان.
- الآشوريون بعد سقوط نينوى- المجلد السادس- مذابح بدر خان بك. للباحث: هرمز أبونا.
- قتل أمة: هنري مورغنطاو –السفير الأمريكي في تركيا ما بين 1913 و1919


أ . شوسين

الدراسة اللغوية لأمثالأحيقار والأمثال العربية


المقــدمـة:
شيئان خلفهما الإنسان القديم، كانا أكبر عون على رصد حضارته، بل رصد المراحل الفكرية الأولى للجنس البشري بصفة عامة، وهما الكلمة والحجر. وإذا كان الحجر لم يصمد كلياً في وجه العوامل الطبيعية، فانهدم واندثر معظمه، في حين بقي قسم منه صامداً، ليكون شاهداً على معجزة العقل البشري، وإبداعه فإن الكلمة ظلت حية في ضمير التاريخ، لتكون أكبر عون على استجلاء الحقيقة، وأكبر مصدر للإشعاع الشعوري والفكري، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم[1].
وقد شغلت على مر العصور تفكير الكثير من الباحثين والمثقفين الذين اهتموا بدراستها وتحليلها، ووظفوا جميع إمكاناتهم وثقافتهم في دراستها، فتوصلوا إلى ما نسميه اليوم بعلم اللغة: (وهو علم يرشدنا إلى مناهج سليمة لدرس أي ظاهرة لغوية، ويهدينا إلى مجموعة من المبادئ والأصول المتكاملة المترابطة في اللغة وحقيقتها، والتي ينبغي أن تكون في ذهن الباحث الغوي على الدوام، أياً كان موضوع بحثه)[2].
وموضوع بحثي المختار سيكون دراسة للغة قديمة، تعتبر من إحدى اللغات السامية، وهي اللغة الآشورية، متمثلة في أمثال أحيقار. وسوف أحاول أن أبين في دراستي هذه مدى التقارب بينها وبين اللغة العربية، المشتقة من اللغة الآشورية، وكلتاهما اعتبرتا عند اللغويين من اللغات السامية.
ـ لمحـة عن حياة أحيقار:
((ورد الاسم في الكتابات الآرامية القديمة على شكل (أحيقار) وقد حذف العرب منه الهمزة فقالوا (حيقار) ثم أضافوا التعريف أحياناً فلفظوا (الحيقار) وقال الآشوريون (أخ يقار)، وجميعها تعني (الأخ الوقور) وتدل على شخص آشوري اتصف بالاتزان والوقار، واشتهر بالحكمة، وحسن التدبير في إدارة مملكة سنحريب ملك آشور ونينوى. وزيراً مخلصاً له ونصوحاً، إلا أن الحياة تقسو عليه رغماً عن حكمته وأدبه، فتجزيه عن خيره شراً فيقاسى الآلام المبرحة، بوشاية كاذبة من ابن أخته (نادن)، حتى يفتقد الملك حكمته، ويحتاج إلى مشورته، فيخرج من ظلمات سجنه بريئاً، وتعود إليه الحياة وهو عظيم القدر، رفيع الشأن)).
وقد وجد هذا النص مع أمثاله على أوراق البردي بين وثائق آرامية كثيرة، مشابهة له بيد البعثة الألمانية في جزيرة الفيلة بمصر سنة (1906، 1907) وعلماء الآثار يعيدون هذه الأوراق إلى القرن الخامس قبل الميلاد[3].

ـ أمثال أحيقار باللغة الآشورية ما يقابلها من الأمثال العربية الشعبية:
المثل الأول: (يا بروني عينا دبرنشا اكٌ مبوعا دميا: لا سبٌعا من مال ىل دمليا عفرا). (يا بروني عينَ دبار ناشَ آخ مبوعَ دميا لا سبع من مال هول دمليا عفرا)
(يا بني عين الإنسان كنبع ماء لا تشبع من المال حتى تملأ تراباً). والمثل الشعبي يقول: جفن العين جراب ما بيملاه إلا التراب.
المثل الثاني: (يا بروني ان مشدرة خد أنشا خكيما بوة سنيقوةك، ربا فوقدنا لا يىبة لى. وان مشدرة خد أنشا سضلا بجنوكٌ ـ زل ومةمم لشوجلوكٌ). (يا بروني إن مشدرت خا ناشَ خكيما بوت سنيقوتخ، رَبا فوقدَنا لا يهبتله، وإن مشدرت خا ناشَ سخلا.. بكانخ زل ومتمم لشولخ)
(يا بني أرسل رسولاً حكيماً ولا توصه، وإن كنت سترسل جاهلاً فالأفضل أن تذهب بنفسك). (ودِ الشاطر ولا توصيه، ودِ الغشيم وتبع فيه).
المثل الثالث: (يا بروني لا فلطا ىمزمن من فومكٌ ىل دعبٌدة راي جو لبوكٌ وبوش ؤبيي يلى لانشا دمةرقل بلبى ولا مةرقل بلشنى). (يا بروني لا بلطا همزمن من فمخ هل دعودت راي كو لبخ وبوش صبايلا لناشَ دمترقل بلبه ولا مترقل بليشانه).
(يا بني لا تخرج كلمة من قلبك قبل أن تستشير عقلك فإنه خير للرجل أن يتعثر في قلبه من أن يتعثر بلسانه).
(خلي الكلام في القلب يجرح ولا يطلع لبرا ويفضح).
المثل الرابع: (يا بروني بطلوبوةا دبكةا لا خبٌطة سبب ان سريةا ىويا قةوى بة ليطالوخ، وان ؤفيي ىويا لا دكٌرالوكٌ). (يا بروني بطلبوتا دبختا لا خوطت، سبب إن سريتا هويت قاته بت ليطالوخ، وإن صبايي لا تخرالوخ).
(يا بني لا تدخل في أمر زواج امرأة، لأنه إذا ابتأست في زواجها لعنتك، وإذا نجحت في زواجها وسرت لن تتذكرك).
(اسع في جنازة ولا تسعَ في جازة).
المثل الخامس: (يا بروني رخوق من أنشا دبعبٌداينا كربا، سبب كربا كا ممطي لقطلا). (يا بروني رخق من أنشِ دبعوادينا كربَ، سبب كربَ كه ممطه لقطلَ).
(يا بني جانب قوماً يتخاصمون، لأن الخصام قد يؤدي إلى القتل..)
(ابعد عن الشر وغني له.. اترك الشر بيتركك).
المثل السادس: (يا بروني لا مخة ششلةا ددىبٌا بايدوكٌ، كد لةلوكٌ، قا دلا سكٌلا كخكي ومسكري بيوخ). (يا بروني لا ماخت ششلتا ددهوا بإيدخ، كد لتلوخ قا دلا سخلي كخكي ومسخري بيوخ).
(يا بني لا تضع سواراً ذهبياً في يدك، وأنت معدم لئلا يسخر منك الجهّال).
(مد رجليك على قد بساطك.. أو على قد بساطك مد رجليك).
المثل السابع: دشميا رباينا ولا يدعل(كوكٌبْا ون انْشا شمنيىي، ىدكٌ برانشا لا يدعلون كليىي أنشْا). (كوكبِ دشميا رابينه وله يادعلون ناشا شمانيه، هتخا برناشا لا يادع كلي ناشه).
إن نجوم السماء كثيرة ولا يعرف الإنسان اسماءها، هكذا لا يعرف الإنسان جميع الناس) . (الناس أجناس).
المثل الثامن: (يا بروني كلبا دشبٌق لمرى واةا بتركٌ بكافا مخي وطرودلى). (يا بروني كلبا دشاوق لماره وآت بترخ، بكيبا مخِ وطرود له).
(يا بني ارمِ حجرة على الكلب الذي يترك صاحبه ويجري خلفك).
(الكلب الذي بيتبعك بيتبع غيرك).
المثل التاسع: (يا بروني لا ربا ىوة خليا دلا فيشة بليعا وافلا ربا مريرا دلا فيشة مروفيا من جو فوما). (يا بروني لا رابا هاوت خليا دلا فيشت بليعا وأب لا رابا مريرا دلا فيشت مبروييا من كو فوما).
(يا بني لا تكن حلواً لئلا يبتلعوك ولا تكن مراً لئلا يبصقوك)
(لا تكن ليناً لئلا تلوى ولا تكن قاسياً لئلا تكسر).
المثل العاشر: (يا بروني ةبٌ عم خكيما بد فيشة خكيما، ولا يةبة عم لقلقا دلا فيشة خوجبنا اكٌ ديى). (يا بروني تو عم خكيما بدبيشت خكيما، ولا يتوت عم لقلاق دلا بيشت خجبنا آخ ديه).
(يا بني عاشر حكيماً فإنك تصبح حكيماً، ولا تعاشر طويل اللسان والمهذار فإنك تعد واحداً منهم).
(مساير الحكماء يصير حكيماً ورفيق الجهال يصير منهم) ( من عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم).
المثل الحادي عشر: (يا بروني لا مكفة لىو دلايلى من سىموخٌ ولا شىبة لىو مندي رما دمورخقايلى منوخٌ). (يا بروني لا مكبت لهو دلالة من سهمخ، ولا شهوت لهو مندي راما دمرخقا منخ)
( يا بني لا تحتقر ما ليس من نصيبك ولا تشته الشيء العظيم الممنوع عنك)
(القناعة كنز لا يفنى) (الطمع ضر وما نفع).
المثل الثاني عشر: (يا بروني لا عبٌدة طبٌةا لعبدوكٌ زودا من خبٌرى سبب دلا يدعة لايني منيىي بةسنقة لخرةا).
(يا بروني لا عودت طوتا لعبدخ زودا من خوره، سبب دلا يدعت لإيني منيه بت سنقت لخرثا).
(يا بني لا تعامل عبداً من عبيدك أحسن من معاملتك لصاحبه لأنك لست تدري أيهما ستحتاج إليه آخر الأمر).
(احفظ عتيقك، جديدك ما بيبقى لك).
المثل الثالث عشر: (يا بروني لا مخزة يما قا بدويا ولا بريا قا ؤيدا دنونا سبب شوجليىي فريشا يلى خد مىو اخرنا).
(يا بروني لا مخزت يَمَ قا بدوي ولا بريَ صيادا دنونهِ، سبب شغليه بريشا خا مهو خينا).
(يا بني لا تري البدوي، البحر، ولا لصياد السمك، الصحراء، لأن عملهما مختلف). (الرجل المناسب في المكان المناسب).
المثل الرابع عشر: (يا بروني لا ىدرة جاروكٌ جو قشةوكٌ، ونيشوكٌ ىوا حبٌروكٌ دلا حفطي الىا لىيرةه ودعر جروكٌ علوكٌ). (يا بروني لا هدرت كيرخ كو قشتوخ، ونيشخ هاوِ خورخ دلا خبط آلهة لهيرته، وداعر كيرخ علوخ..)
(يا بني لا توتر قوسك، ولا تطلق سهمك على الصديق لئلا تهرع الآلهة لمساعدته، فترد الضربة عليك). (من حفر حفرة لأخيه وقع فيها).
المثل الأخير: (من دلا شةبىر بشما دببى ويمى ةكلة دلا ىوياوا زرقة على شمشا سبب اّنشا بيشا يلى). (من دلا شهور بشم دبابه ويمه تكلت هوياوا زرقتا عله شمشا سبب ناشَ بيشا إيله).
(من لا يفاخر باسم أبيه وامه فليت الشمس لم تشرق عليه لأنه رجل شرير). (من نكر أصله فلا أصل له).

الدراسة اللغوية:1 ـ دراسة معاني المفردات:
تعود هذه الأمثال إلى القرن الخامس ق.م، إي إلى فترة زمنية تختلف كلياً عن الفترة التي نعيشها اليوم، وهذا واضح في بعض كلماتها. وعلى سبيل المثال ورد في المثل الثاني عشر كلمة (عبد، عبيد) ففي ذلك العصر كان المجتمع عبارة عن طبقتين: طبقة الأحرار وتضم الملوك والحكماء والعامة الأحرار، وطبقة العبيد، لذلك استخدمها أحيقار في أمثاله فجاءت في هذا المثل مرتبطة بكلمة ستحتاج. بمعنى أن العبيد كان مجرد خادم يخدم سيده.. بينما قابل هذه اللفظة في المثل العامي المستخدم اليوم كلمتي (جديد، عتيق) بدون تحديد نوع الشيء الموصوف بهاتين الصفتين.
وفي المثل الرابع عشر وردت كلمة (القوس) وكلمة (السهم) وهذه الأدوات كانت عبارة عن أسلحة تستخدم في تلك الحقبة، بينما قل استعمالها في عصرنا، لذلك باتت من الكلمات النادرة الوقوع في سياق الحديث. وكذلك استخدم كلمة الآلهة في مثله هذا. وهذا دليل آخر بأن أحيقار استخدم كلمات عصره، فالآلهة كانت جزءاً من معتقداتهم الدينية يؤمنون بها ويعبدونها. وربط هذه الكلمة (لمساعدته) مما دلت على أن معتقدهم في تلك الفترة الزمنية كان قائماً على الإيمان بالآلهة وقدرتها. لذلك كانوا يتضرعون إليها عند الحاجة ويدعونها لنجدتهم هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نلاحظ تكرار كلمة يا بني في معظم أمثاله، بدليل أن أحيقار كان يقدمها إلى ابن أخته نادن الذي تبناه. فنلاحظ طول المثل عنده، مع الإسهاب في التفصيل والتعبير، مما يدل على أن أحيقار كان يلقن (نادن) هذه الأمثال على شكل دروس، فأسهب في شرحها وتفصيلها، لتكون سهلة الوصول إليه، لذلك ابتعد عن التكلف، والغموض، وابتعد عن استخدام التشابيه، والاستعارات والمحسنات اللفظية، كما تجنب اللعب بالألفاظ والتعابير، وهذا ليس حكماً على ذلك الحكيم أحيقار، لعدم معرفته وقدرته على استخدام هذه الأساليب التعبيرية الإبداعية، وعدم تمكنه من هذه الفنون الأدبية، بدليل ورود تشبيه مؤكد في مثله الأول، حين قال: (عين الإنسان كنبع ماء لا تشبع) ذكر المشبه به نبع الماء والأداة الكاف ووجه الشبه (لا تشبع) على شكل التشبيه المؤكد.
كما ورد في المثال التاسع محسنة بديعية معنوية وهي المطابقة بقوله (مراً، حلواً) ولكنه ابتعد عن استخدامها بشكل مكرر، لأن هدفه من تقديم أمثاله كان تلقين (نادن) دروساً تفيده في حياته وتجعل منه إنساناً حكيماً متزناً. لذلك استخدم بقدر الإمكان العبارات الواضحة والبسيطة، المتضمنة كلمات معروفة ومستخدمة في تلك الفترة لتأتي على شكل نصائح قريبة من فهمه وتفكيره.
2 ـ دراسة المفردات: (الأحرف، الضمائر، الأدوات)
لكل لغة مفرداتها وتعابيرها، وضمائرها الخاصة بها، واللغة الآشورية مثلها مثل باقي اللغات لها مفرداتها وأدواتها الخاصة بها. ففي معظم هذه الأمثال وردت أداة النداء (يا: يا) وهي أداة تستخدم لمناداة المذكر والمؤنث، واستخدامها يطابق استخدام أداة النداء (يا) في العربية.
والمنادى (بروني: بني) نجد اتصال ياء المتكلم بالمنادى.. وهي نفس الأداة المستخدمة في الغة العربية نحو ثولنا (كتابي، بني.. إلخ).
كما وردت أداة النفي (لا، لا) نفت وقوع الفعل بعدها كما في المثل (سبٌعا) شبع.
ولهذه اللغة أحرف جر خاصة بها مثل (من) من، (ب، ب) ودخول الباء على الكلمة مثل دخولها في اللغة العربية بمعنى أنها تتصل بأحرف مثل (بجنوكٌ): (بنفسك).
والمثل الثاني وردت أداة الشرط (ان: إن) ودخولها على الجملة في اللغة الآشورية مثل دخولها على الجملة في اللغة العربية على الفعل المضارع (مشدرة) (ترسل)، وحروف العطف في هذه اللغة شأنها شأن حروف العطف في العربية تعطف اسم على اسم أو فعل على فعل، أو جملة على جملة نحو قول أحيقار في المثل الأخير: (ببى و يمى) (أباه وأمه). في المثل الثامن: (دشبٌق لمرى واةا بةروكٌ) (يترك صاحبه ويأتي خلفك: يتبعك).
هذا التقارب الشديد بين أدوات اللغة الآشورية والأدوات المستعملة في اللغة العربية ناتج عن أن كلتيهما من اللغات السامية.

ـ الأمثال العربية [4]:
المثل الأول: (إن البغاث بأرضنا سيتنسر).
البغاث: ضرب من الطير وفيه ثلاث لغات: الفتح والضم والكسر. قالوا هو طير دون الرخمة.
استنسر: صار كالنسر في القوة عند الصيد، بعد أن كان من ضعاف الطير. يضرب للضعيف يصير قوياً وللذليل يعز بعد الذل.
المثل الثاني: (إنما خدش الخدوش أنوش).
الخدش: الأثر، وأنوش: هو ابن شيث ابن آدم، أي أنه أول من كتب وأثر بالخط في المكتوب. "يضرب فيما قدم عهده".
المثل الثالث: (أغر نهار قضي ليلاً).
"يضرب لما جاء القوم على غرة منهم ممن لم يكونوا تأهبوا له".
المثل الرابع: (إن كنت بي تشد أزرك فأرخه)
"أي إن تتكل علي في حاجتك فقد حرمتها".
المثل الخامس: كحماري العبادي).
قالوا: العباد قوم من أفناء العرب، نزلوا الحيرة وكانوا نصارى منهم عدي بن زيد العبادي.
قالوا: كان لعبادي حماران، فقيل له أي حماريك شر؟. قال: هذا ثم هذا، ويروى أنه قال حين سئل عنهما: هذا هذا، أي لا فضل لأحدهما على الآخر..
"يضرب في حلتين إحداهما شر من الأخرى".
المثل السادس: (وعده عدة الثريا بالقمر).
وذلك لأنهما يلتقيان في كل شهر مرة.
المثل السابع: (أبي يغزو وأمي تحدث).
قال ابن الإعرابي: ذكروا أن رجلاً قدم من غزاة، فأتاه جيرانه يسألونه عن الخبر، فجعلت امرأته تقول: قتل من القوم كذا، وهزم كذا، وجرح فلان، فقال ابنها متعجباً: أبي يغزو وأمي تحدث.
المثل الثامن: (أم قعيس وأبو قعيس، كلاهما يخلط خلط الحيس)
يقال: إن أبا قعيس هذا كان رجلاً مريباً، وكذلك امرأته أم قعيس، فكان يغضى عنها وتغضى عنه، والحيس عند العرب: التمر والسمن والأقط غير المختلط.
المثل الأخير: (أم الجبان لا تفرح ولا تحزن).
"لأنه لا يأتي بخير ولا شر أينما توجه لجبنه".

ـ الدراسة اللغوية:
استخرجت هذه الأمثال من كتاب مجمع الأمثال بجزأيه الأول والثاني، وهو كتاب ضم أمثال تعود إلى عصور مختلفة: الجاهلي، والإسلامي.. لذلك نجد تنوعاً في الكلمات ومعانيها.
فقد وردت كلمات غريبة قلما يسمعها الإنسان، وهي نادرة الاستعمال مثل (البغاث، الخدوش، الحيس) كما وردت أسماء لأشخاص عاشوا في تلك العصور مثل (أنوش: وهو ابن شيث ابن آدم، العبادي، أم قعيس، وأبو قعيس..)
وبعض هذه الأمثال وضع من خلال قصة أو حادثة وقعت مع أشخاص، فاصبحت أمثال تضرب على أناس يعيشون نفس القصة، أو يمرون بنفس الحادثة، او ما يشابهها، مثل المثل الخامس وقصة حماري العبادي.. والمثل السابع: قصة ابن الإعرابي، وقصة أم قعيس وأبو قعيس في المثل الثامن: كما نلاحظ قصر هذه الأمثال فبعضها لا يتجاوز الكلمتان أو الثلاث، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل بالتأكيد على البلاغة والإبداع في الكلام فالعرب يسيرون على نهج (خير الكلام ما قل ودل ، والبلاغة في الإيجاز) لذلك نتلمس البلاغة والإبداع في حديثهم.. بالإضافة إلى كثرة المحسنات البديعية التي تضفي على الأمثال نوع من الجرس والإيقاع نحو المثل الثاني: (خدش، خدوش، أنوش) و(عده، عدة) جناس ناقص. كما وردت محسنات بديعية معنوية (المطابقة) في الأمثال السابقة مثل (نهار، ليل) و(تفرح، تحزن).. وهذه المحسنات بنوعيها اللفظية والمعنوية أضفت نوع من الغرابة والجمالية على لغة هذه الأمثال، وهي أمثال يصلح استخدامها في عصرنا الحالي رغم البعد الزمني الذي يفصل بين أيامنا والأيام التي وضعت وقيلت فيها..

ـ المقارنة بين لغة أمثال أحيقار ولغة الأمثال العربية:
نستنتج من الدراسة اللغوية لأمثال أحيقار والأمثال العربية ما يلي:
1 ـ أمثال أحيقار جاءت على شكل نصائح وحكم يستفيد منها الإنسان في تكوين شخصيته واتزانه.
2 ـ الأمثال العربية معظمها وضعت نتيجة قصة أو حادثة حدثت مع أشخاص في عصور مختلفة، بينما أمثال أحيقار صدرت عن تجارب شخصية خاضها إنسان فيلسوف حكيم فوضع حصيلتها على شكل حكم ونصائح قدمها لأبنه (نادن) تصلح في أي زمان ومكان.
3 ـ طول أمثال أحيقار مقارنةً مع الأمثال العربية. حيث أن الأولى كانت دروس فأسهب في شرحها لتأتي واضحة ومبسطة ليتقبلها الذهن، أما الأمثال العربية جاءت قصيرة دالة على بلاغة وبيان غايتها التعبير عن حالة معينة أو تلميح للتشابه بين قصتين.
4 ـ خلو أمثال أحيقار من الكلمات الغريبة غير الواضحة والنادرة الاستعمال بينما كثر وجودها في الأمثال العربية.
5 ـ وردت كلمات في أمثال أحيقار أثبتت أن اللغتين الآشورية والعربية تعودان إلى لغة واحدة هي اللغة السامية. ومن هذه الكلمات:
(يا،يا): أداة نداء في العربية والآشورية.
(عينا، عينَ): تقابل كلمة عين في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(سبٌعا، سبعَ): تقابل كلمة شبع في اللغة العربية لفظاً ومعنى بقلب السين شيناً.
(من، من): حرف جر في كل من اللغتين.
(خكيما، خكيما): تقابل حكيماً في اللغة العربية بقلب الخاء حاء.
(فوموكٌ، فمخ): تقابل فمك في اللغة العربية والكاف قابلت الخاء في الآشورية.
(سبب، سبب) تقابل كلمة سبب في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(لبا، لبَ):تقابل كلمة لب في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(اّنشا، أنشَ): تقابل كلمة أنس في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(كربا، كربَ): تقابل كلمة كرب في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(قطلا، قطلَ): تقابل كلمة قتل في اللغة العربية لفظاً ومعنى بقلب الطاء تاء.
(شيشلةا، ششلته): تقابل كلمة سلسلة في اللغة العربية لفظاً ومعنى بقلب الشين سين.
(كوكٌبا، كوكبِ): تقابل كلمة كواكب في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(شميا، شميا): تقابل كلمة سماء في اللغة العربية لفظاً ومعنى بقلب الشين سين.
(شمشا، شمشَ): تقابل كلمة شمس في اللغة العربية لفظاً ومعنى بقلب الشين الأخيرة سيناً.
(ايدا، أيدَ): تقابل كلمة يد في اللغة العربية لفظاً بإضافة ألف في أول الكلمة.
(كلبا، كلبَ): تقابل كلمة كلب في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(عبدوكٌ، عبدخ): تقابل كلمة عبدك في اللغة العربية لفظاً ومعنى والخاء تقابل الضمير: ك.
(يما، يَمَ): تقابل كلمة يم باللغة العربية الفصحى.
(بريا، بريا): تقابل كلمة بر باللغة العربية لفظاً ومعنى مع حذف الياء.
(ببا، بابا): تقابل كلمة بابا (أب) في اللغة العربية لفظاً ومعنى.
(يما، يما): تقابل كلمة أم باللغة العربية لفظاً ومعنى بقلب الياء ألف.
(اشما، أشمَ): تقابل كلمة اسم في اللغة العربية لفظاً ومعنى بإضافة ألف في أول الكلمة.

ننار. ج. يونان

[1] - عن مجلة بانيبال. العدد الأول ص 57
[2] - من كتاب علم اللغة.
[3] - أحيقار الحكيم. ص 15.
[4] - الأمثال مأخوذة من مجمع الأمثال – الجزء الأول والثاني.

الملفــان شابوباهـــي

شخصية العدد

انتهزت مجلة أثـرا فرصة زيارته للوطن لتلتقي معه بهدف تعريف القارئ بنموذج من الكثير من الشخصيات من أبناء شعبنا الذين قد لا نسمع بهم كثيراً ولكنهم كانوا ولا يزالون على التصاق مباشر وعبر مختلف مراحل حياتهم مع هموم هذا الشعب من خلال العمل في مؤسساته المختلفة مدفوعين بإرادة ثابتة وإيمان لا يتزعزع بضرورة تفعيل دور الثقافة والفن بين أبناء شعبنا..
إنه الملفونو شابو باهي من مواليد عام 1927 من عائلة قد تصلح نموذجاً لدراسة واقع شعبنا في بدايات القرن الماضي بمعظم ما تعرض له من ويلات ومآسٍ وبكل محاولاته في البقاء والتجدد والانبعاث. وفي منطقة الجزيرة السورية حيث نزحوا وفي مدارس الطائفة السريانية حيث كانت إرهاصات الفكر القومي والنهضة القومية قد بدأت تفعل فعلها في النفوس.. درس ونشأ ليصبح معلماً فيها بعدئذٍ وهو في العشرين من عمره.

وكانت بدايات عمله المؤسساتي في المشاركة عام 1955 بتأسيس لجنة محبة الكنيسة واللغة: سيعةا درحمة عدةا ولشنا مع مجموعة من الشباب الغيورين حيث بدأت تأخذ أعمالها الاجتماعية والخيرية والثقافية طابعاً قومياً ملحوظاً ولا سيما في مجال تدعيم دراسة اللغة السريانية وتقديم الدعم المادي والمعنوي للكاتبين بها. ولم يقتصر نشاطه على هذه اللجنة فحسب وإنما كان نائباً لمسؤول نادي الرافدين لفترة طويلة.

ومع انتقاله إلى حلب عام 1958 استمر اهتمامه بالعمل مع مؤسسات الكنيسة، فقد كان عضواً في المجلس الملي، وكذلك عضواً مؤسساً وإدارياً في نادي الشهباء الرياضي والذي كان قد أصبح شعاره قومياً (الثور المجنح) كما كان عضواً في جمعية الرحمة الخيرية وفي لجنة التعليم الديني عام 1968. حيث كان مسؤولاً عن دورات تعليم اللغة السريانية والفولكلور. وقد أثمر عمله فيها بإنشاء كورال مار أفرام وتأسيس فرقة شاميرام الموسيقية. بالإضافة إلى توحيد التقاويم الكنسية وإضافة بعض الرموز القومية إليها.. وفي دمشق أعاد إحياء وتنشيط جمعية الشبان السريانية. حيث أقامت العديد من النشاطات الثقافية والفولكلورية القومية.

وبعد سفره إلى السويد عام 1987 كان من المشاركين في تأسيس كنيسة مار يعقوب النصيبيني. كما أسس مع بعض الشبان ما سماه بنادي الإعلام الآشوري الذي لم يكتب له الاستمرار طويلاً. كما ساهم بشكل أو بآخر في تعزيز التوسع في نشر التراث والفلكلور القومي هناك.
أما ما تميز به الملفونو شابو باهي فقد كان توجهه لكتابة الشعر الغنائي باللغة السريانية المحكية. ولا يخفي على أحد دور الشعر والأغنية في حياة أي شعب ولا سيما شعبنا الذي ابتعد وتغرّب لفترة طويلة جداً عن التعبير الموسيقي والغنائي خارج حدود الصلوات والترانيم الدينية. كذلك كانت الحاجة ماسة لأن يتمكن الفن الشعري والغنائي من وجدان هذا الشعب وأحاسيسه واختلاجاته في الفرح والحزن والحب، وفي التعبير عن آلامه وأحلامه وطموحاته في تخليد عاداته وتقاليده وفي تسليط الضوء على بعض سلوكياته وعاداته الخاطئة. والأهم من هذا وذاك هو في الارتقاء بذوق الإنسان والسمو بأحاسيسه عبر الكلمة الصادقة والموسيقى المنبعثة من شخصيته وثقافته الأصيلة.

وقد كان الملفونو باهي من السباقين الأوائل بالاهتمام بهذا المضمار. حيث بدأ بتأليف الأغاني السريانية باللهجة المحكية عام 1962 وقد سجل باكورة أعماله والتي كانت من تلحينه على مسجلة منزلية عام 1968 وكانت أغنية (او لحدو) والتي جددت لاحقاً باسم (أو برصومو) والتي جاءت في صيغة حوارية بين شاب وفتاة، عبّر كلاهما من خلالها عن أحاسيسه تجاه الآخر بأسلوب سهل وكلمات بسيطة من واقع ومفردات حياة شعبنا وشجونه الاجتماعية والتي كانت محكومة بذهنية قد تحرّم البوح والغزل أو حتى الرقص والغناء. وقد تلاها مجموعة من الأغاني منها ما سجل على اسطوانات وأهمها أغاني (حمى وهايي، ككوو دصفرا حبيبتو، دقلي أو نوقوشو، شلومي شلومي على الشفيري) وجميعها من ألحان الفنان نوري اسكندر وقد غناها كل من موسى فستقجي وحبيب موسى. وقد شكلت هذه المجموعة من الأغاني رافداً قوياً وأساسياً رفد الأغنية السريانية التي بدأت تأخذ في الانتشار أكثر فأكثر ولا سيما بعد ظهور الكاسيت الحديث حينها. كما كان لها دور هام في بلورة صيغة معاصرة وصادقة للأغنية السريانية من خلال ما قدمته من تسجيلٍ تاريخي أمين لتراث هذا الشعب المادي والروحي بمفرداتها وبيئتها وشخصياتها ولحنها الأصيل، كما شكلت دافعاً لدى الكثيرين للاهتمام بالأغنية السريانية شعراً ولحناً وغناءً. والجدير بالذكر أن للملفونو باهي عدد كبير من القصائد الغنائية تم تجميع معظم ما لحن منها حديثاً في أقراص حديثة.

كذلك ويمكن أن نشير إلى العديد من القصائد الشعرية غير المغناة التي ألقاها الملفونو باهي في عدة مناسبات منها ما هو عاطفي ومنها ما هو قومي خاص ببعض المناسبات القومية كعيد الشهيد الآشوري وذكرى الملفان نعوم فائق وغيرها..
ولم يقتصر الاهتمام لديه في المجال الفني بالبقاء في دائرة القصيدة والأغنية، وإنما كانت لديه اليد الطولى في إدخال فن الإسكتش الغنائي التمثيلي إلى حيز اللغة السريانية. حيث ألف أول اسكتش بعنوان (عليموثو وزبنو) (الشبيبة والزمن) والذي عرض في حلب عام 1975 والمؤلف من خمسة عشر مقطوعة شعرية إفرادية وحوارية أداها أكثر من خمسة عشر شاب وفتاة في عدة لوحات تمثيلية غنائية عالجت صراع الأفكار بين جيلي الشباب والشيوخ مستحضرةً بيئة القرية الآشورية بكل رموزها والخروج بمقولة تفيد بأن لتغير الزمن معطيات قادرة على إحداث تغييرات على معظم البنى والمفاهيم وأن الصراع بين الأجيال هو أحد حتميات تغير الزمن.. وقد وضع معظم ألحان هذا الاسكتش الفنان نوري اسكندر والفنان نديم أطمجة، وكان للملفونو باهي مساهمة أيضاً في وضع بعض تلك الألحان.

كما ألّف الملفونو باهي اسكتش غنائي آخر خاص بالأطفال بعنوان (قشتو وتعلو) جسّد من خلاله القصة التراثية المتوارثة مع الأجيال بأسلوب فني جميل وبسيط ومُسلطاً الضوء على بعض القيم الأخلاقية والتربوية كالصدق والأمانة والتعاون. وقد عرضت أوائل الثمانينات.

_________________
إسحق قومي
شاعر وأديب سوري مقيم في ألمانيا
Ishak.alkomi@ok.de

avatar
اسحق قومي
المدير العام
المدير العام

ذكر
عدد الرسائل : 834
العمر : 68
الموقع : http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum
العمل/الترفيه : معاقرة الشعر والأدب والتاريخ والإعلام والسياسة
المزاج : حسب الحالة
تاريخ التسجيل : 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى