من يُعيد لي طفولتي؟!!! بقلم المهندس الياس قومي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من يُعيد لي طفولتي؟!!! بقلم المهندس الياس قومي

مُساهمة من طرف اسحق قومي في الثلاثاء مارس 16, 2010 12:48 pm

من يعيد لي طفولتي...؟!

بقلم المهندس إلياس قومي - كندا

نعم كان شرف لي حيثُ ترعرعتُ في كنيسة مار جرجس للسريان الأرثوذكس ،وفيها نشأةُ وفي المدرسة التابعة لها كانت بداية تعلمي للعربية والسريانية وحب الوطن ، بين جدرانها رتلتُ، وصليتُ للخالق الإله، وعلى يد الملفان حنا مسعودي، تعلمنا الأناشيد الكنسية وكان الأب الربان إسحق ساكا هو مدير المدرسة. في هذا المبنى بالذات كم من مرة كنا نأخذ الدروس قبل الانتهاء من تشييده بشكله نهائي .
كم من مرةٍ كنا نصعدُ للزياح.؟!!! هناك كنا نرتل ونصلي ،الأولاد على الجهة الجنوبية ،
وبجانبهم البنات على الجهة الشمالية. كان يفصل بيننا الممر. كم كانت جميلة
حين كنا نرتل مناوبةً. ترى أين أصبحت تلك البراعم، أين هم اليوم ؟
هؤلاء من أمضينا طفولتنا سويةً؟ لماذا أفكرُ وشوقٌ جارفٌ في صدري لتلك الأيام ؟
كم كانت المدرسة تكبر بنا على الرغم من صغر أعمارنا، تماما كما كنا نحن نكبر من خلالها. أما المعلمات كم كنَّ حريصات على تعليمنا بكل محبةٍ وإيمانٍ وتضحية؟
كم كنا نفخر بهنَّ وهنَّ يدربوننا على الأناشيد الوطنية حماة الديار وفلسطين وثورة الجزائر فاشهدوا ومصر وعليك مني السلام يا أرض أجدادي ففيك طاب المقام وطاب إنشادي تماما مثلما كانوا يعلموننا الصلاة لشارك في القداس صبيحة الأربعاء والجمعة وصباح الآحاد.
أما الفرحة الكبرى فقد كانت مع قدوم عيد الميلاد حيث كنا نلتقي معاً في باحة الكنيسة حوالي الثانية عشر من ليلة :ال25/24 من كانون الأول لنوقد النيران ، ولنسبح للرب صباح العيد. نفرح مع الأطفال والأصحاب. فقبل منتصف تلك الليلة، كان يمر علينا عمي وولديه يوسف وعبد الأحد،لنذهب سويةً مع والدي لنحتفل بالعيد، ولنهتف باأحلى الكلام وأعذبه ،ما أجملها من ألحان ما تزال تغمرني إلى اليوم، تراني أرددها عندما يشتدُ بي الحنين، أما في عيد القيامة: فكانت الاحتفالات بالنسبة لنا تبدأ من يوم الخميس حيث تشاد في وسط الكنيسة ساحة خشبية عالية قليلاً عن مستوى الأرض تجهز الكراسي وما يلزم. ليقوم نيافة المطران قرياقس على طريقة الرب بغسل أرجل التلاميذ الصغار الذين كانوا يُنتقون وبالقرعة دوماً من الصف الخامس . ثم احتفالات الجمعة العظيمة فكانت تشاركنا المدينة من مختلف المذاهب والمشارب، في عصر ذاك اليوم كانت تغلق الشوارع حفاظاً على سلامة الزائرين ليمروا جميعهم من تحت النعش المغلف بالسواد والحداد أما يوم العيد: فلم نكن نذهب ليلاً، بل مع شروق الشمس. ليبدأ القداس وما زلت أتذكر إلى اليوم بعض ماكنا نرتله:

أنقضى الصوم المقدس بالسلام ،
والمخلص خلص العالم وقام.
الذي أحيا وحيد الأرملة،
صنع كل العجائب مكملة.
ألبسوه الشوك فوق الجلجلة،
قام رب المجد حقا ً قام قام.
***
قامَ قامَ المسيح
يالعيد فصيح
كلُّ نفس ٍ تصيح
قامَ قامَ المسيح.
وما أن ينتهي القداس، ونخرج إلى الباحة والشارع المجاور، ونبدأ بتكسير البيض
وكل منا قد حمل في جيبه أكثر من بيضة مزركشة بأحلى الألوان وذاك يحاول أن
يكسر الأكثر: وبالتالي ليعلن فوزه، والبعض يأخذ حجرة صغيرة وليضمر في داخله
هو ليحك بتلك الحجرة حجارة الجدار المجاور للباب الرئيسي المطل على الشارع
فإذا علقت الحجرة الصغيرة كم كنا نفرح لفرحته لأن ما نوى عليه سيتحقق.
ولم تنتهي تلك التجمعات والفرحة تحيط بجموع الأحبة والأصدقاء وأبناء المدينة
الذين كانوا ينضمون إلينا. لنصبح وكأننا في عرس البهجة والفرحة.
حقاً كان العيد للجميع والجميع كانوا يشاركون به من دون تمييزٍ ، هكذا علمتنا تلك المدرسة وهكذا علمونا أباء تلك الكنيسة.
وتستمر الأيام ونصعد درجات السلم الواحدة تلوى الأخرى. وبعد أن ضاق بنا المكان انتقلت قسمٌ من مدرستنا إلى مبنى قديم شمال المبنى المجاور لكنيستنا .وكان يومها الأستاذ إلياس أدمو: هو مدير المدرسة التي سميت بمدرسة البحتري ولتصبح فيما بعد بإعدادية البحتري. هاهو شقيقي يحرك يداه في وسط الساحة وبرفقة معلمه الذي كان يشجعه ، وهاهو الملفان حنا يعاقب صبيحة كل يوم اثنين من تغيب عن حضور قداس الأمس، هاهو النشيد السوري يُعزف على مسمعنا ونردده صبيحة كل يوم، ونحن في حالة الاستعداد للدخول إلى الصفوف، وهاهو السرجان حنا مدرس الموسيقى كم كان يقسو علينا، كنت أعشق الموسيقى والعزف على إحدى آلات النفخ، لكن كان يصرخ
في وجهنا، فلم أعد أقوى على حب تلك المادة.
نعم كان للمعلم دوراً وما زال كي يحبب التلاميذ بالمدرسة. ويقيني كم من تلميذٍ ترك مقاعد الدراسة، لا لكونه لا يحب العلم، ولا لكونه كسولاً، بل ومن المؤسف كون بعض السادة المعلمين ممن كانوا يتسلطون على أطفال صغار بعمر الورد ومن دون سبب
أو تبرير بل لضعفٍ في معرفتهم فن التحبب والتعليم .
كم كنا نتأثر بالكلام بشكل أكثر مزعج مما نتصوره. وبالتالي العزوف عن تلك المادة ,,,, ونصبح شباباً لنجلس مع صفوف الرجال برفقة والدنا رحمه الله كنتُ دوماً برفقة شقيقي الأكبر مني سناً الذي هاهو يغرد على ذات الأوتار ويعزف لنا بذات الألحان
لكن في حقول الشعر والأدب. ذاك الذي أحبه من كل كياني مثل الضوء يحيط بي.
هو من رافقني منذ الأيام الأولى ونحن نذهب لمدرسة السريان لم نكن نتجاوز
الخامسة بعد من العمر.
إنه أخي مربي الأجيال فيما بعد ومدرس علم النفس . الذي تفصلني عنه اليوم
جبالٌ وبحورٌ ومحيطاتْ. وهل من مرارة أشد علقما ما تفعله بنا الأيام والغربة...؟!
تباً لها تلك الطفولة...؟ تباً لك أيتها الأحلام؟ بل وما في الصدور، ها هو يحلق
مثل كل النوارس في سمواتٍ جديدة وليقطف اليانع من شتى ثمار الأدب ؟!
نعم لنعد بإدراجنا إلى تلك الأيام. كم كنتُ مولعاً كي أصبح كاهناً. كان آنذاك الخوري إلياس حنوش، هو من يزورنا ويتردد علينا كان هو والأب حنا يومها ووالدي . كانوا يشجعونني على الدراسة في الأكليريكية حيث كانت في زحلة . ولم أعلم لماذا لم أكمل اختيار ذاك الطريق ! لكن كنتُ قد صاحبتُ الكتاب وجعلته الصديق الذي يعيلني كل حين. كم كانت تخيفني أحلامي ليلة لم أفتحه وأقرأ ما أستطيع. تماماً مثل نهاري الذي كان يرعبني يوم أخرج من الدار من دون أن أتذكر بأن أرسم الصليب كي يرافقني
ملاك السلامة ؟!هذه منذ طفولتي اعتدناها منذ علمتنا أيها المعلمة في الصف الأول
مع الصلاة الربانية صباح كل يوم بعد أن ندخل إلى الصف.
وما أن أنهيت المرحلة الإعدادية كنت قد أكملت قرأت الكتاب بعهديه القديم والجديد. نعم مازلت أتذكر كم من مرة ونحن في المرحلة الثانوية كنت يومها مع رفيق العمر الأستاذ إلياس خليل كنعو والدكتور نبيل حدوب حيث يسبينا الشوق ويحرقنا الحنين
لنذهب ونصلي مساء كل يوم خلف الباب الغربي وأمام الحاجز الخشبي الذي أعتقد مازال موجوداً، كم من مرة رفعنا طلباتنا لله، لم نكن نبلغ الرابعة عشر من العمر.
كنا نصلي كي يوفقنا الله في دروسنا ويحفظ أهلنا وأن يلفت انتباه من أحببناهم، ومازلتُ ونارها في القلب لم يطفئ وهجها فمالي هنا سوى أن أتذكر ما قاله مجنون ليلى : فشبَّ بنو ليلى وشبَّ بنو أبنها وأعلاق ليلى في فؤادي كما هيا؟!
لله مالك أيها الشاعر يقيني كنتَ تصف حالتي وليس حالتك ؟!.
ولن يتوقف أوار تلك النار، حتى نلتقى في أحضان الأب الذي لابد وأن أعاتبه،
وربما لن أستطيع، لكن لازلت مصراً على ذلك كولدٍ عاق ..
لماذا أشعلت كل هذه النيران وستبقى مثل الشعلة المقدسة تحرق ما في داخلي .
ترى هل مازالت تلك النار في صدرها أيضاً؟
كم كنت أحبها صورتها لم تغب عن بالي، مازالت تطهرني وتحرق اليابس
مما في الصدر من خلال نظراتها التي مازالت تعاتبني في الأحلام حتى اليوم؟
تشير إلى غروري منذ أن عرفتها، فلماذا يا رب لم تبعد عني ذاك الغرور؟
وأنا الغرير يومها . وتمر الذكريات ونكبر، ونجتاز الثانوية ونرحل لمتابعة دراسة الهندسة في جامعة دمشق. نعم مازلت أتذكر وفي أول زيارة لي للمدينة والأهل:
ُطلب مني إعداد محاضرة، كي ألقيها في صالة الأحادية، التي كانت قد تأسست
حديثاً، لألقيها على الشباب والشابات الذين لم أكن أكبرهم كثيراً. كانوا أقراني وأحبتي
رفاقي وزملائي. كانت المحاضرة المطلوبة عن دور المرأة في المسيحية.
لقد سهرت ثلاث ليالٍ كي أقوم بإعدادها والمصدر الوحيد الذي أستند عليه،كان صديقي ومرشدي الكتاب: هو من ظلّ يرافقني.
كنتُ اشعر بنفسي أكبر من عمري، لمْ أدر لماذا؟!.
كانت المسؤوليات هاجسي وحبي الأول والدائم.
هل لطفولتنا التي لم تكن تخلو من عذاباتٍ ؟!
أم لشظف العيش ما جعلنا نقدر الأمور؟!
أم تربية البيت والمدرسة، وما كان يُعطى لنا من توجيهات؟!
أم من مرشدينا في الكنيسة ومن خلال عظات الآباء أيام الآحاد؟!
لقد كان لكل تلك العناصر نصيبُ فينا ، ومازلنا جاهدين باتجاهه.
وتلتفُ الصبايا والشباب من حولي، ليستطلعوا ويستفسروا، من أنَّ لي هذه المعلومات. كيف تسنى لي أن أحضرها بهذا العمق: إنه الإيمان وقوته الفاعلة فينا، فكان من السهولة علي لأعداد تلك المحاضرة.
نعم في هذه الكنيسة: كم صلينا ونحن رجال؟ كم من أفراحٍ حضرناه؟ وأحزانٌ كم أدمعت عيوننا؟ كم كان مؤثراً كلام الآباء فينا. يصل إلى الأعماق وليحيلنا إلى أذانٍ صاغية وقلوبٍ مفتوحة . كم من امرأة كانت تقف وتصلي أمام تلك الأيقونات.
وكم من فتاةٍ كانت تتضرع لربها كي يحقق حلمها، كم من شابٍ راح رافعاً يداه
لربه كي يتحقق ما نذر له ... رباه كم من قناديلٌ وشموع ودموع وابتهالات حبَّاً
للخالق أهرقناه هناك في ذاك المكان الطاهر. نعم !
ذاك المبنى كنتُ شاهداً على بنائه منذُ بداية المرحلة الابتدائية.
كنا يومها في ذات الساحة الشرقية حيث المدرسة، مازلت أتذكر المبنى القديم للكنيسة فقد كانت من اللبن وفي ذات المكان التي أقيمت عليه الصالة ومقر المطرانية. يا لها من أيام ذاك هو نيافة المطران قرياقس وهو يستند على الكرسي بجوار العمود الشمالي عند مدخل الهيكل . وهناك في الزاوية الجنوبية أمام الهيكل... رباهُ كم من مرة ركعنا، لنعترف للكاهن، كان الاعتراف مرتين بالسنة ذاك الحين، كنا نقف وننتظر دورنا لنأخذ القربان المقدس. وتلك البخور التي كانت تملأ أرجاء الكنيسة يا لعبق رائحتها الزكية،
لم تزل تمنحني الدفء وكأنِّي بها تعمدني كل حين.
****

_________________
إسحق قومي
شاعر وأديب سوري مقيم في ألمانيا
Ishak.alkomi@ok.de

avatar
اسحق قومي
المدير العام
المدير العام

ذكر
عدد الرسائل : 834
العمر : 67
الموقع : http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum
العمل/الترفيه : معاقرة الشعر والأدب والتاريخ والإعلام والسياسة
المزاج : حسب الحالة
تاريخ التسجيل : 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى