كتب كبرو .عن الشاعرة السومرية أينخدوانا....من أوائل المطالعين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتب كبرو .عن الشاعرة السومرية أينخدوانا....من أوائل المطالعين

مُساهمة من طرف اسحق قومي في الثلاثاء مارس 16, 2010 1:03 pm





نستطيع أن نلقب أينخدوانا بانها احد الاوائل الذين يحبون المطالعة في التاريخ، وربما كانت تجلب الكتب حتى الى مائدة الطعام. وكانت الكتب تشبه وسادات طينية صغيرة وليست ورقية الاغلفة، ففي زمن أينخدوانا حوالي قبل (4300 سنة)


كانوا يكتبون على طين ناعم باداة مدببة تسمى (المرقم اي القلم). ولم تكن أينخدوانا تقرأ بصورة جيدة فقط، بل كتبت ايضا بصورة جيدة. وفي الحقيقة اصبحت المؤلفة البارزة عالميا، اضافة الى كونها الشاعرة الاكثر شهرة في بلاد سومر القديمة.
لقد عاشت اينخدوانا مع اخوتها ريموش وما نشتوسو التوأمين وابيها سرجون الاكدي في قصر جديد كبير ورائع، في دويلة مدينة اكد في سومر (تقع قرب موقع بغداد الحالي).
كان الملك سرجون فتى طموحا من عائلة فلاحية في بلاد وادي الرافدين وبدأ صعوده كساقي بسيط لملك مدينة كيش.
ولا احد يعرف بالضبط، كيف وصل الى العرش وسرعان ما وسع حكمه خارج كيش واكد، وجعلهما من مدن سومر المهمة، وهي ارض السهل والهلال الخصيب ما بين نهرين عظيمين وفيما يسمى الان... العراق. وفي زمن أينخدوانا فان الاقطار التي نعرفها الان لم تكن موجودة آنذاك، بل كانت على شكل مدن مستقلة مثل: أكد، كيش، أور.. تتقاتل للسيطرة على مناطق اكبر من البلاد. وتتغير دائما القوة السياسية والحدود السياسية.
من الطبيعي ان يتوقع سرجون في ولديه ان يتبعا خطاه كملكين لسومر واكد في المستقبل. ولسوء الحظ فكلاهما كان لديهما الرغبة القوية في ان يكونا ملكين دون ان يكون لديهما الموهبة. أينخدوانا من جانب آخر، اظهرت بانها موهوبة وعندما اصبحت فتاة مراهقة اعتقد ابوها بانها صارت مستعدة للمسؤولية الرشيدة. لقد عينها لان تكون الكاهنة العظمى لـ(ننا) اله القمر المهم في سومر. ولانجاز مهامها ككاهنة عظمى، أضطرت اينخدوانا الى مغادرة منزلها في مدينة اكد، وانتقلت الى الجنوب، الى أور.. احدى المدن المقدسة في سومر.
تقع أور قرب الخليج الفارسي، وتتجمع بيوتها وبناياتها حول الزقورة العالية مثل عنقود العنب وهي اي الزقورة تشبه الهرم بمدرجات. وكل طابق من الطوابق السبعة للزقورة كان ملونا بلون مختلف عن الاخر. وكان الطابق الاعلى ملونا باللون الازرق. وقد استخدمت اينخدوانا الغرفة في نفس الطابق الاعلى الأقرب الى السماء.
لقد آمن شعب اينخدوانا بعدة آلهة والاهات. ومن خلال عمل الكاهنة المضني فقط، فان القوى العليا (اي الالهة) تبتسم للبلاد وتجعل محاصيلها وحيواناتها والناس بازدياد وازدهار. تقوم أينخدوانا بتقديم الصلوات والطقوس الدينية خلال ايام السنة، مرتدية قلنسوة رأسها الخاصة حاملة الصولجان، ومرتدية ثوبها المطرز بطبقات مزركشة وعلى مذابح قمة الزقورة، تقوم بتقديم الاضاحي الحيوانية ولكي تسر الآلهة والالاهات، تقوم بحرق البخور والمواد المعطرة الاخرى، باعثة الدخان ذا الرائحة الطيبة عبر السموات الزرقاء الصافية لبلاد سومر (إن كلمتنا per Fume تعني بالحقيقة... عبر الدخان).
كانت وظيفتها الدينية الأهم هي الاحتفال السنوي بقدوم السنة الجديدة في كل ربيع (الديانات القديمة غالبا ما تحتفل بالسنة الجديدة في الربيع لان الناس ارادوا التشجيع على نمو وزيادة المحاصيل الزراعية) ويعيد الاحتفال قصة الزواج المقدس بين الراعي دموزي والاهة القمر اينانا وفي داخل غرفتها الزرقاء في اعلى الزقورة تكون أينخدوانا الالاهة - العروس، ومعها احد الملوك الحاكمين او احد الكهنة الكبار، فيمثلان ثانية زواج الاهة وبشر كل سنة لاسعاد الالهة.
اضافة الى واجباتها الروحية ككاهنة عظمى، وهو موقع حافظت عليه طوال 25 عاما، عبّرت أينخدوانا عن الكثير من شعورها الديني من خلال كتاباتها. وكتبت مجموعة من 42 قصيدة او ترتيلة دينية الى معابد سومر وأكد.
وبالرغم من كونها كاهنة لالة - القمر - اصلا، فان اينخدوانا بدأت تتميز اكثر مع الاهة - القمر - إينانا. وكتبت سلسلة كبيرة من الاشعار لهذه الالاهة وربما كانت مغناة وممثلة وقد سُميّت” تمجيد الالهة اينانا “ واينانا لاحقاً سميت ”عشتار“ اصبحت تدريجيا الالاهة البارزة في بلاد سومر. كانت قصائد أينخدوانا شعبية جدا في زمانها واستمرت بعدها. ولأنها كتبت على ألواح طينية، والتي كانت اقوى متانة من الورق، فقد وجد الاثاريون اكثر من 50 لوحا وعليها نفس القصيدة. وفي زمن اينخدوانا فان هذا كان مثل البلاتين او السلعة الاكثر رواجا.
تخبرنا كتابات اينخدوانا، عن نفسها، وعن الديانة السومرية، وحتى عن السياسة، فمثلا قد كتبت حكاية مثيرة عن ابيها. وفي احد المواضيع، فان دويلات المدن التي سيطر عليها سرجون، اتحدت في ثورة ضده، وحاصروا مدينة اكد ونفوا الألاهة إينانا من معابدها ولكن سرجون في نهاية الامر، كسر الحصار وسحق المتمردين وجعلهم يعترفون باينانا كالاهة قديرة واستمرت اينخدوانا بكتابة الشعر والاهتمام بمسؤولياتها الدينية حتى بعد ممات ابيها. وحكم اخوها الاكبر ريموش اولا ثم ما ينشتوسو المسمى (من الذي معه؟) من قبل القابلة المدهوشة التي ولدته مع اخيه وكلا الاخوين أحبا سفك الدماء، وكلاهما قتلا بالتعاقب من اعداء القصر الذين يكرهونهما. ثم جاء الى الحكم ابن اخ اينخدوانا وبالرغم من خبرتها الطويلة وشعبيتها واصلها الملكي، فقد فقدت اينخدوانا موقعها ككاهنة، وطردها ابن اخيها وربما نفاها الى الصحراء ثم وضع بدلا عنها ابنته ككاهنة عظمى ولكن النهاية كانت لصالح اينخدوانا ادبيا. لا احد يتذكر اليوم ابن اخيها البغيض نرام سين لقد اصبحت اينخدوانا شهيرة فهي من اوائل الكتاب المؤلفين رجالا كانوا ام نساء من الذين ذكرت اسماؤهم. وقصائدها المكتوبة دونت في حوالي 2300 قبل الميلاد، وهي الابداعات الاولى في العالم والمنسوبة الى شخصية مميزة.
المصدر: كتاب (نساء متميزات في العصور القديمة)
تاليف: الكاتبة الاميركية فيكي ليون
الفصل الثاني عشر فيه بعنوان (اينخدوانا من سومر)
تعليق:
1- بعد حكم الاكديين قرابة قرن ونصف من الزمان اصبحت لهم بلاد تميزهم سياسيا وجغرافيا وحضاريا وسميت ببلاد اكد والتي تمتد من جنوب بغداد في اليوسفية” جنوب بابل في الحلة “وهو ما يسمى القسم الاوسط من السهل الرسوبي اما بلاد سومر فتمتد ما بين مدينة نفر قرب عفج في الديوانية الى اور واريدو جنوب الناصرية وتخلط الكاتبة جغرافيا بين بلاد سومر وبلاد اكد.
2- المقصود بالقوى العليا (اي الالهة)
3- (ننا او ننار) اسم اله القمر اما زوجته الاهة القمر فهي (ننكال) كما نراها في مسلة اورنمو اما (اينانا او عشتار لاحقا) فهي الاهة الحب والحرب والجنس والخصب وهي زوجة الاله الراعي دموزي ولا ادري لماذا تعتبر الكاتبة (اينانا) الاهة القمر وهي ليست كذلك ومعبدها في الوركاء في منطقة (اي - أنا).
4- يقول طه باقر في كتابه (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة) ان ابن سرجون الملك ريموش حكم اولا ولكنه لم يكن الاكبر بل الابن الاصغر.
5- في اغلب الخرائط العالمية يذكر الخليج العربي على انه الخليج الفارسي وفقط في الدول العربية يكتب الخليج العربي.
6- بالغت المؤلفة في حماستها للدفاع عن العنصر النسوي (اينخدوانا) فذكرت بأن العالم اليوم لايتذكر ابن اخيها الملك (نرام - سين) وهذا غير صحيح فأقوى الملوك الذين جاؤوا بعد سرجون الاكدي هو حفيده (نرام - سين) ومنحوتاته الجبلية وانتصاراته تشهد على ذلك، بغض النظر عن علاقته السيئة بعمته الجليلة (أينخدوانا).
...........................
من يستطيع أن يهدّئ قلبكِ الغاضب


الشاعرة السومرية إنخيدوانا:
أول شاعرة في التاريخ
تسبيحٌ إلى إنانا، إلهة الحب والحرب
تُعتبَرُ أغاني الشاعرة السومرية إنخيدوانا أقدم أثر أدبي معروف في التاريخ الإنساني. هذه الأغاني المكتوبة على الرُقم المسمارية قبل 4300 سنة خرجت من أرض العراق، حاملةً نكهة حضارةٍ عريقة، وعاكسةً الوعي الجمعي لبقعة من الأرض تعاقب عليها أكثر من غزو، وأكثر من زلزال، وأكثر من هولاكو. لكن برق أنخيدوانا ظل ساطعاً، يشهد على عظمة الكلمة وديمومتها، وعلى سموّ الحرف وعنفوانه، ويشهد أيضاً على عراقٍ موغل في الزمن، موغل في الطين والهواء والنار والماء، عراق كلكامش وأبي نواس والسياب.
وتُرجّح الحفريات الأركيولوجية- التي برهنت بشكل قاطع على وجود إنخيدوانا كشخصية تاريخية- على أن الشاعرة ولدت في عام 2285 قبل الميلاد. وقد عاشت وكتبت قبل ألفي عام من ولادة أرسطو، وسبقت الشاعرة اليونانية سافو بأكثر من 1700 عاماً. وقد عُثر على صورتها محفورة فوق إحدى الألواح المصنوعة من المرمر في مدينة أور، حيث تظهر إنخيدوانا وهي تقف على صفّ واحد مع أربعة أشخاص آخرين، بينهم كاهنٌ عار الثياب يحيط به خادمان. يبلغ قطر اللوحة حوالي 25 سنتيمتراً، وتبلغ سماكتها 7 سنتيمتراً. وقد تمّ اكتشافها في عام 1927 في إحدى المعابد في مدينة أور العراقية. وهذه اللوحة تشير إلى طقس عبادة إله القمر، نانا، لدى السومريين.
كانت إنخيدوانا أول امرأة تشغل منصب كبيرة الكهَنة في عهد أبيها، الملك السومري سرغون، الذي وحّد مملكتي سومر وأكّاد في جنوب وشمال بلاد ما بين النهرين. والدتها سومرية من جنوب العراق، وربما كانت كاهنة هي الأخرى. ويُقال إن سرغون دوّن الكلمات التالية على إحدى الرُقم الطينية شارحاً قصةَ مولده:
والدتي الكاهنة حملتني جنيناً، وأنجبتني سرّاً، ووضعتني على فُلكٍ من ورق البرُدي، وأحكمت رتاج الباب. حملني النهر إلى فلاح اسمه أكّي، الذي رباني كابنه. .. خلال عملي في عزق الحدائق، رأتني عشتار وأحبتني. وعلى مدى أربع وخمسين عاماً كان الملُكُ لي.
وثمة من يقول إن أسطورة ولادته تُعتبر نواةً لقصة موسى في التوراة.

بين أغاني إنخيدوانا البالغ عددها 45 أغنية، كتبت الشاعرة ثلاث تراتيل طويلة في مديح الإلهة إنانا. وبالرغم من أنها ولدت في أكّاد، إلا أن إنخيدوانا كتبت باللغة السومرية التي شرّعها الملك سرغون في المدينة السومرية أور. إنانا، المعروفة بنجمة فينوس، هي إلهة الحب والحرب لدى السومريين، وهي تتماهى مع الإلهة الأكّادية عشتار. وكانت الشاعرة إنخيدوانا تخدم إلهَ القمر نانا، والد إنانا.
تُعتبر إنخيدوانا شخصية بطولية وعرفانية في آن واحد، وقد بدأت صورتها تستحوذ على المخيال الأدبي المعاصر مع بروز نظريات النقد النسوي، وإحياء صورة الأنثى في العصور الخوالي. وكان دورها كأميرة وكاهنة وشاعرة يُعتبر سابقةً في التاريخ السومري الذي استمر لخمسة قرون لاحقة. في تراتيلها للإلهة إنانا تحكي الشاعرة إنخيدوانا قصة نفيها ومن ثمّ العفو عنها على يد الإلهة إنانا نفسها. وقد أصبحت التراتيل جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الأسطوري لبلاد سومر. وتكشف قصائد الشاعرة عن شخصية قوية، حكيمة، وعن كاهنة ذات سطوة. وهي ترى أن قوة الإلهة إنانا تعادل قوة الآلهة أنفسهم. من هنا تنبثق صورة الأنثى في شعرها كندّ قوي وضروري للذكر المهيمن.
في أحد المقاطع الأكثر قوة في آداب التاريخ القديم، نرى إنخيدوانا تتحدث بلسان الأنا في قصيدتها (تسبيح من أجل إنانا). وتتحدث عن كيفية كتابتها للترتيلة، وعن الجمر الذي كانت تشعله بعد منتصف الليل، ويمنحها الإلهام، حيث كانت تؤلف على وهجه أغانيها. ومما يدلّ على فرادة صوتها هو محاولتها الدمج بين ذاتها الشعرية وبين الإلهة إنانا، بحيث تصبحان شخصية واحدة، ومن خلال هذا التماهي والإندغام، تولد الترتيلة، كأنما نُفخت فيها الروح. ونجد أن إنانا وإنخيدوانا يؤلفان معاً مركز وبؤرة القصيدة. قصيدة (تسبيح من أجل إنانا) تتألف من 153 بيتاً، ويمكن قراءتها عمودياً وأفقياً. تبدأ الترتيلة بوصف مطوّل، يتخلّله حشدٌ من الصفات والنعوت التي ترسم بشفافية عالية شخصية الإلهة إنانا، وقد رُتبت النعوت وفقاً لنسق مدروسٍ بحيث تقدم للقارئ صورةً جليةً عن التنوع المدهش لنشاطات الإلهة-الملكة. وإنخيدوانا تشير بشكل مضمر إلى أن إنانا على سوية واحدة مع الإله (آن)، كبير الآلهة لدى السومريين. وتنتقل الشاعرة إلى تصوير إنانا وهي "تؤدّب" الجنس البشري بوصفها إلهة الحرب والمعارك. وهي بذلك تدمج بين الصفات الحربية لعشتار الأكّادية، وتلك الخصائص اللطيفة التي تميّز إلهةَ الحب والخصوبة لدى السومريين. وهي تشبّه إنانا بطائر العاصفة الذي ينقضّ على الآلهة الآخرين ويشتّت شملهم ويفرّقهم كالخفافيش. وتنتقل إنخيدوانا لتصف أمجادها الماضية، مستخدمةً ضمير المتكلم، وذلك في أكثر مقاطع القصيدة جمالاً ومتعة. كما أنها تكتب عن معاناتها في المنفى بعد أن نُفيت ككبيرة للكهنة من المعبد في مدينة أور، ومن أوروك، إلى السهوب القاحلة. وتروح تتوسّل لإله القمر، نانا، للتوسط من أجلها. في الأبيات 122-135 تصل الترنيمة الطويلة ذروتها حيث تركّز الشاعرة على الخصائص الإلهية لإنانا، رافعةً من شأنها إلى مرتبة كبير الآلهة (آن). في الأبيات 143-150، تعود الشاعرة إلى ضمير الغائب في سياق تمجيدها وتسبيحها لإلهة الحب والحرب. غير أن صوت الشاعرة يحفر حضوره قوياً، آسراً، في أذهاننا، تصدمنا حداثته، وتدهشنا نبرته الشخصانية العميقة. صوتُ إنخيدوانا يؤسّس للأنا الشعرية في عراكها الأزلي مع قوى الكون وأسراره، مثلما ينكشف وينفتح على الذات الفردية وجوّانيتها المعتمة. صوت أنخيدوانا لا يضاهى في التاريخ القديم، ربما حتى مجيء الشاعرة الإغريقية سافو بعد أكثر من ألف وسبع مائة سنة.

( تسبيح من أجل إنانا)
….
يا ملكة كل شيء، أيتها الضوء المتوهّج
أيتها المرأة الواهبة للحياة،

أنتِ يا من تجلبين الطوفان من الجبل،
أيتها الشاهقة، يا إنانا السماء والأرض،
يا من تمطرين ناراً ملتهبة على القفار
يا من بعثها إليّ الإلهُ (آن)،
أيتها الملكة التي تمتطي الوحوشَ
والتي نطقت بالكلمات المقدسة
تنفيذاً لأوامر (آن) المقدسة،
من يستطيع أن يسبرَ شعائركِ المقدسة!
يا مدمّرة الأراضي الأجنبية
منحتِ الأجنحةَ للعاصفة،
حبيبة (أنليل)- وجعلتها تهبّ على الكون،
وحملتِ أوامر (آن).
مليكتي،
الأراضي الغريبة تطأطأ أمام صرختكِ،
رعباً وخوفاً من الريح الجنوبية أتى البشرُ
إليكِ بضجيجهم الملتاع
حملوا صراخهم إليكِ
ووقفوا أمامك يولولون وينتحبون
وأمامكِ جلبوا النحيبَ العظيم لشوارع المدينة.

مليكتي،
أنتِ الافتراسُ كلّه في قوّتكِ
وظللتِ تهاجمين مثل ريح مهاجمِة،
وظللتِ تعولين أعلى من الريح المعولة،
وظللتِ ترعدين أعلى من الرعد،
وظللتِ تئنّين أعلى من الرياح الخبيثة،
قدماكِ لا يمكن أن يصيبهما الإعياء
وجعلتِ الولولة تُعزف على "قيثارة النحيب."
مليكتي،
جميع الآلهة العظام
فروا أمامكِ مثل خفافيش مرفرفة،
لم يستطيعوا الوقوف أمام وجهك المهيب،
لم يستطيعوا الاقتراب من جبينكِ المهيب،
من يستطيع أن يهدّئ قلبكِ الغاضب!
قلبكِ المهلِك لا يمكن تهدئته!
أيتها الملكة، يا سعيدة الروح، يا فرِحة القلب،
يا من لا يمكن تهدئة غضبها، يا ابنة الإثم،
يا ملكة، يا الحاكمة المُطلَقة في البلاد،
من قدّم ولاءً كافياً لكِ!
الجبل الذي امتنع عن تقديم الولاء لكِ
يبست أعشابه وصارت قاحلة،
أضرمتِ النارَ ببواباته العظيمة،
أنهارُه جرت دماً بسببكِ،
وناسُه نشفَت مياههم،
جيشهُ انقادَ طواعيةً إلى الأسر أمامكِ،
قواته تفرّق شملها طواعيةً أمامكِ،
ورجاله الأقوياء طواعيةً خرّوا أمامكِ،
أماكن اللهو في مدنه امتلأت بالفوضى
ورجاله البالغون سيقوا كأسرى أمامك.

يا ملكة الملكات العظيمات،
يا من أصبحت أعظم من أمك التي أنجبتكِ
لحظةَ خرجتِ من الرّحم المقدس،
عارفة، حكيمة، وملكة على كل البقاع،
يا من ضاعفتِ كل المخلوقات الحية والبشر-
لقد نطقتُ بأغنيتكِ المقدّسة.
أيتها الإلهة الواهبة للحياة، المولودة للألوهة،
يا من أسبّح تهليلها،
الرحيمة، المرأة الواهبة للحياة، يا مشعّة القلب،
لقد نطقتُ بأغنيتي أمامك حسب ما يناسبُ ألوهتكِ
دخلتُ أمامكِ إلى معبدي المقدس،
أنا الكاهنة، إنخيدوانا،
حاملةً سلّة البخور، أنشدُ ترنيمتكِ السعيدة،
لكنني الآن لم أعد أسكن المعبد المقدس الذي شيدته يداك.
أتى النهار، وجلدتني الشمس
وأتى ظلّ الليل، وأغرقتني الريح الجنوبية
صوتي الرخيم الحلو كالعسل صار نشازاً
وكل ما أعطاني المتعة تحول إلى غبار.
آه، أيها الإثم، يا ملك السماء، يا قدري المرير،
إلى الإله (آن) بلّغي شكواي، و(آن) سوف يخلّصني

أنا إنخيدوانا، أتضرّع إليك، إنانا،
ودموعي مثل شراب حلو.

أنا، من أنا بين المخلوقات البريّة!

أه، أيتها الملكة التي ابتكرت النواح
مركبُ النواح سيرسو في أرض معادية
وهناك سأموت، أنشدُ الأغنية المقدسة.

أوه، إنانا، المجدُ لكِ

_________________
إسحق قومي
شاعر وأديب سوري مقيم في ألمانيا
Ishak.alkomi@ok.de

avatar
اسحق قومي
المدير العام
المدير العام

ذكر
عدد الرسائل : 834
العمر : 68
الموقع : http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum
العمل/الترفيه : معاقرة الشعر والأدب والتاريخ والإعلام والسياسة
المزاج : حسب الحالة
تاريخ التسجيل : 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkomi.montadarabi.com/profile.forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى